ولا بيع اللحم بالحيوان لما تقدم قريباً من حديث سعيد بن المسيب عند مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم وقال سعيد : من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين . وقال نهى عن بيع الحيوان باللحم . وقال أبو الزناد : كل من أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم أي من جنسه وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره . وفي شرح السنة ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه ، وإليه ذهب الشافعي. وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلاً لكنه يتقوى بعمل الصحابة واستحسن الشافعي مرسل ابن المسيب . وذهب جماعة إلى إباحته واختارها المزني إذ لم يثبت الحديث وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقول اختلاف ولأن الحيوان ليس بمال الربا بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس . وقال محمد في الموطأ : وبهذا نأخذ من باع لحماً من لحم الغنم بشاة حية لا يدري اللحم أكثر أو مافي الشاة أكثر فالبيع فاسد مكروه ولا ينبغي وهذا مثل المزابنة والمحاقلة. وكذا بيع الزيتون بالزيت ودهن السمسم بالسمسم .
أقول : والأحسن عندي أن معنى الحديث : أن يقول للقصاب كم يخرج من هذه الشاة فيقول القصاب : عشرون رطلاً فيقول : خذ هذه الشاة بعشرين رطلاً من اللحم إن خرج أكثر فلك أو أقل فعليك . وهذا نوع من القمار . ورجع الحديث إلى القياس .
ويجوز بيع الحيوان بإثنين أو أكثر من جنسه لحديث جابر عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي قال : أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى عبداً بعبدين وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه . وأخرج أيضاً مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبعث جيشاً على إبل كانت عنده قال : فحملت الناس عليها حتى نفذت الإبل وبقيت بقية من الناس قال : فقلت يارسول الله الإبل قد نفذت وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال لي : ابتع علينا إبلاً بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى ينفذ هذا البعث قال : وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذت ذلك البعث فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إسناده محمد ابن اسحق وفيه مقال ، وقوي في الفتح إسناده . وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن الجارود من حديث سمرة قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وهو من رواية الحسن عن سمرة ولم يسمع منه . وقد جمع الشافعي بين الحديثين بأن المراد به النسيئة من الطرفين فيكون ذلك من بيع الكالىء بالكالىء لا من طرف واحد فيجوز . وفي الموطأ أن علي بن أبي طالب باع جملاً له يدعى عصيفر بعشرين بعيراً إلى أجل . وأن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة . وسئل ابن شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال : لا بأس بذلك . قال الشافعي : يجوز سواء كان الجنس واحداً أو مختلفاً ، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم سواء باع واحداً بواحد أو بإثنين . وقال أبو حنيفة : لا يجوز . وفي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة خلاف .
ولا يجوز بيع العينة لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه . وقال الحافظ : رجاله ثقات . والمراد بالعينة بكسر العين المهملة بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن . ويدل على المنع من ذلك ما رواه أبو إسحق السبيعي عن إمرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقع فقالت : يا أم المؤمنين إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وأني ابتعته منه بستمائة نقداً فقالت لها عائشة : بئسما إشتريت وبئسما شريت إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب أخرجه الدارقطني ، وفي إسناده الغالية بنت أيفع . وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح ، وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده . وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد، وجوز ذلك الشافعي وأصحابه . وقد ورد النهي عن العينة من طرق عقد لهما البيهقي في سننه باباً .