أقول : أما إختلاف مثبتي القياس في علة الربا فليس على شئ من هذه الأقوال حجة نيرة ، إنما هي مجرد تظننات وتخمينات انضمت إليها دعاوي طويلة بلا طائل . هذا يقول العلة التي ذهب إليها ساقه إلى القول بها مسلك من مسالك العلة لتخريج المناط ، والآخر يقول ساقه إلى ما ذهب إليه مسلك آخر كالسبر والتقسيم . ونحن لا نمنع كون هذه المسالك تثبت بمثلها الأحكام الشرعية ، بل نمنع اندراج ما زعموه علة في هذا المقام تحت شئ منها ، فما أحسن الإقتصار على نصوص الشريعة وعدم التكليف بمجاوزتها والتوسع في تكليفات العباد بما هو تكليف محض . ولسنا ممن يقول بنفي القياس لكنا نقول بمنع التعبد به فيما عدا العلة المنصوصة وما كان طريق ثبوته فحوى الخطاب وليس ما ذكروه ههنا من هذا القبيل فليكن هذا المبحث على ذكر منك تنتفع به في مسائل كثيرة . قال الماتن رحمه الله في كتابه السيل الجرار : ولا يخفاك أن ذكره صلى الله عليه وسلم للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها فكيف كان هذا الذكر سبباً لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث ، وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك ، وأي مناط ستفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال : مثلاً بمثل سواء بسواء وأما الإتفاق في الجنس والطعم كما قال الشافعي . واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله قال : كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الطعام بالطعام مثلاً بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير فأقول : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الطعام فكان ماذا ؟ وأي دليل على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق ؟ وأي فهم يسبق إلى كون ذلك هو العلة المعدية حتى تركب عليها القناطر وتبنى عليها القصور . ويقال هذا دليل على أن كل ماله طعم كان يبعه بماله متفاضلاً رباً . مع أن أول ما يدفع هذا الإستدلال الذهب والفضة اللذين هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة بذكر الأجناس التي تحرم فيها الربا . ومما يدفع القولين جميعاً أنه قد ثبت في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العدد كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ لا تبيعوا الدينار بالدينارين وفي رواية من حديث أبي سعيد ولا درهمين بدهم ولا يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين ولا من غيرهم. وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعم وزادت عليه الإدخار والاقتيات فوسعوا الدائرة بما ليس بشئ .
والحاصل أنه لم يرد دليل به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها .
فإن إختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يداً بيد لما ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الذهب الذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد . فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد وفي الباب أحاديث .
ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي لما وقع في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم مثلاً بمثل سواء بسواء وزناً بوزن فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشئ بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة والمساواة ، ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم وغيره قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكليل المسمى من التمر فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع إلا بعد العلم .
وإن صحبه غيره أي لا تأثير لمصاحبة شئ آخر لأحد المثلين . لحديث فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره قال : إشتريت قلادة يوم خيبر بإثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تباع حتى تفصل وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب ، وقال به الشافعي وأحمد وإسحق ، وذهب جماعة منهم الحنفية إلى جواز التفاضل مع مصاحبة شئ آخر إذا كانت الزيادة مساوية لما قابلها .