تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ. وَمَا خَلَقَ اللَّهُ قَطُّ أَحَدًا يَفْهَمُ تِلْكَ الصِّنْفَيْنِ مِنْ هَذَا الْكَلاَمِ , وَلاَ رَكَّبَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ هَذَا الْكَلاَمَ عَلَى تِلْكَ الْخُرَافَتَيْنِ. وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا مِنْ النَّاسِ أَرَادَ تِلْكَ الشَّرِيعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ احْتَجُّوا لَهُمَا بِهَذَا الْكَلاَمِ , فَعَبَّرَ عَنْهُمَا بِهَذَا الْكَلاَمِ , لَسُخِرَ مِنْهُ , وَلَمَا عَدَّهُ مَنْ يَسْمَعُهُ إِلاَّ أَلْكَنَ اللِّسَانِ , أَوْ مَاجِنًا مِنْ الْمُجَّانِ , أَوْ سَخِيفًا مِنْ النَّوْكَى. أَفَلاَ يَسْتَحْيُونَ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِحِ الْمُوبِقَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , الْمُخْزِيَةِ فِي الْعَاجِلِ , وَلَكِنَّا نَقُولُ قَوْلاً نَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ كُلُّ ذِي فَهْمٍ مِنْ مُخَالِفٍ وَمُؤَالَفٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :

وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ قَوْلٌ مُجْمَلٌ , مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ نُؤْمِنُ بِكُلِّ ذَلِكَ , وَنَطْلُبُ بَيَانَهُ مِنْ نُصُوصٍ أُخَرَ , وَلاَ نَقْدَمُ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ , وَالدَّعْوَى الآفِكَةِ عَلَى أَنْ نَقُولَ : أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا , وَأَرَادَ رَسُولُهُ عليه السلام مَعْنَى كَذَا : لاَ يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ اللَّفْظُ بِمَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ , فَطَلَبْنَا ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ , وَأَبِي بَكْرَةَ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ , قَدْ بَيَّنَ فِيهَا مُرَادَهُ عليه السلام بِقَوْلِهِ هَهُنَا : "

وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ " وَهُوَ تَفْسِيرُهُ عليه السلام هُنَالِكَ أَنَّهُ لاَ يَحِلُّ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ إِلاَّ وَزْنًا بِوَزْنٍ , وَلاَ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ إِلاَّ وَزْنًا بِوَزْنٍ فَقَطَعْنَا : أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ : "

وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ ". وَشَهِدْنَا بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ عليه السلام لَوْ أَرَادَ غَيْرَ هَذَا لَبَيَّنَهُ وَوَضَّحَهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ أَهْلُ الإِسْلاَمِ وَلَمْ يَكِلْنَا إلَى ظَنِّ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَأْيِهِ , الَّذِي لاَ رَأْيَ أَسْقَطُ مِنْهُ , وَلاَ إلَى كَهَانَةِ أَصْحَابِهِ الْغَثَّةِ الَّتِي حُلْوَانُهُمْ عَلَيْهَا الْخِزْيَةُ فَقَطْ , قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ , وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فَسَقَطَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الَّتِي فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الأَخْبَارِ ; لأََنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ وَهَذَا آخَرُ. وَيَأْتُونَ إلَى مُجْمَلٍ لاَ يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْهُ إِلاَّ مَا فَسَّرَهُ عليه السلام فِي مَكَان آخَرَ , فَيَزِيدُونَ فِيهِ وَيُفَسِّرُونَهُ بِالْبَاطِلِ , وَبِمَا لاَ يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ عليه السلام أَصْلاً.

وَأَمَّا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : لاَ يَصْلُحُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ , فَإِنَّهُمْ قَالُوا : هَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَكِيلٍ.

قال أبو محمد رحمه الله : وَهَذَا خَبَرٌ اخْتَصَرَهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , أَوْ وَهَمَ فِيهِ بِيَقِينٍ لاَ إشْكَالَ فِيهِ , فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو , أَوْ وَهَمَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ ; لأََنَّ هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِإِسْنَادِهِ : الأَوْزَاعِيُّ , وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ , وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَلَيْسَ هِشَامٌ , وَالأَوْزَاعِيُّ , دُونَ مَعْمَرٍ , إنْ لَمْ يَكُنْ هِشَامٌ أَحْفَظَ مِنْهُ. فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ شَيْبَانَ

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٢٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٢٨٠