السادسة والثلاثون ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميّز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحلّ ولم يطب؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أُخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام . قال ابن العربي : وهذا غلوٌّ في الدين؛ فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليّته لا عينه ، ولو تلِف لقام المِثْل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه؛ كما أن الإهلاك إتلاف لعينه ، والمِثْل قائم مقام الذاهب ، وهذا بَيِّنٌ حِسًّا بيِّن معنى . والله أعلم .
قلت : قال علماؤنا إنّ سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من رباً فليردّها على من أرْبَى عليه ، ويطلبه إن لم يكن حاضراً ، فإن أَيِس من وجوده فليتصدّق بذلك عنه . وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه . فإن التبس عليه الأمر ولم يدرِ كَمْ الحرام من الحلال مما بيده ، فإنه يتحرّى قدر ما بيده مما يجب عليه ردّه ، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيردّه من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أو أربى عليه . فإن أيس من وجوده تصدّق به عنه . فإن أحاطت المظالم بذمّته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يُطيق أداءَه أبداً لكثرته فتوبته أن يُزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين ، حتى لا يبقى في يده إلا أقلّ ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سُرّته إلى ركبتيه ، وقوتُ يومه؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه؛ وإن كره ذلك من يأخذه منه . وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء ، لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه ، فيُتْرك له ما يُواريه وما هو هيئة لباسه . وأبو عُبَيْد وغيره يرى ألاّ يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سُرّته إلى ركبته ، ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا ، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدّى ما عليه .
السابعة والثلاثون هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة ، وقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثُله في المخابرة .
وروى أبو داود قال : أخبرنا يحيى بن مَعين قال أخبرنا ابن رجاء قال ابن خيثم حدّثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « مَنْ لم يَذَرِ المخابرة فلُيؤْذنُ بحرب من الله ورسوله » وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ، ويسمّى المزارعة . وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعيّ وأبو حنيفة وأتباعهم وداود ، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثُّلث الرُّبع ، ولا على جزء مما تُخرج : لأنه مجهول؛ إلاَّ أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوماً؛ لقوله عليه السَّلام : « فأمّا شيء معلوم مضمون فلا بأسَ به » خرّجه مسلم . وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ومنعه مالك وأصحابه؛ لما رواه مسلم أيضاً عن رافع بن خَدِيج قال : كنا نُحَاقِل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَنُكرِيَها بالثلث والربع والطعام والمسمّى ، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعاً ، وطواعِيُةُ الله ورسوله أنفع لنا ، نهانا أن نُحَاقِلَ بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمَّى ، وأمر ربَّ الأرض أن يزرعها أو يُزَارعها . وكرِه كِراءَها وما سوى ذلك . قالوا : فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولاً كان أو مشروباً على حال؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئاً . وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاماً مأكولاً ولا مشروباً ، سوى الخشب والقصب والحطب؛ لأنه عندهم في معنى المُزَابنة . هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقد ذكر ابن سُحْنون عن المغيرة ابن عبد الرّحمن المخزوميّ المدنيّ أنه قال : لا بأس باكراء الأرض بطعام لا يخرج منها . وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز؛ كقول سائر أصحاب مالك . وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول : لا تكرى الأرض بشيء إذا أُعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها؛ وبه قال يحيى بن يحيى ، وقال : إنه من قول مالك . قال : وكان ابن نافع يقول : لا بأس أن تُكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أولم يخرج ، ما عدا الحِنْطة وأخواتها فإنها المحاقلة المنهى عنها . وقال مالك في الموطّأ : فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغَرَر؛ لأن الزرع يقل مَرّة ويكثر أخرى ، وربما هلك رأساً فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوماً؛ وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيراً لسفر بشيء معلوم ، ثم قال الذي استأجر للأجير : هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارةً لك .