الثالثة والثلاثون دلّت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ، ولا خلاف في ذلك على ما نبيّنه . ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يأتي على الناس زمانٌ لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غُبَاره " وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " لَدرهُم رباً أشدُّ عند الله تعالى من ست وثلاثين زَنْيَة في الخطيئة " وروي عنه عليه السلام أنه قال : " الربا تسعةٌ وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأُمِّه " يعني الزنا بأُمه . وقال ابن مسعود : آكل الربا وموكِّله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . وروى البخاريّ عن أبي جُحَيْفَة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبِقات . . . وفيها وآكل الربا " وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده .
الرابعة والثلاثون قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ الآية . روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حَجّة الوداع : " ألا إن كلَّ رَباً من ربا الجاهليّة موضوعٌ لكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون " وذكر الحديث . فردّهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم : «لاَ تَظْلِمُونَ» في أخذ الربا «وَلاَ تُظْلَمُونَ» في أن يُتَمسّك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم . ويحتمل أن يكون «لا تُظْلَمُونَ» في مطل؛ لأن مطل الغنيّ ظلم؛ فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا ، وهكذا سُنَّة الصلح ، وهذا أشبه شيء بالصلح . " ألا ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دَيْن ابن أبي حَدْرَد بوضع الشطر فقال كعب : نعم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر : «قُمْ فاقضه» " فتلقّى العلماء أمره بالقضاء سنّةً في المصالحات . وسيأتي في «النساء» بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز ، إن شاء الله تعالى .
الخامسة والثلاثون قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ تأكيد لإبطال ما لم يُقْبَض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه . فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كلّ ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد؛ كما إذا اشترى مسلم صيداً ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بَطل البيع؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد؛ كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض ، ولو كان مقبوضاً لم يؤثر . هذا مذهب أبي حنيفة ، وهو قول لأصحاب الشافعيّ . ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافاً لبعض السلف؛ ويروى هذا الخلاف عن أحمد . وهذا إنما يتمشّى على قول من يقول : إن العقد في الربا كان في الأصل منعقداً ، وإنما بطل بالإسلام الطارىء قبل القبض . وأمّا من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحاً؛ وذلك أن الربا كان محرماً في الأديان ، والذي فعلوه في الجاهليّة كان عادة المشركين ، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب والسلب فلا يتعرّض له . فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل . واشتمالُ شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى؛ كما حكى عن اليهود في قوله تعالى : ﴿ وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ [ النساء : 161 ] . وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا : ﴿ أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ [ هود : 62 ] ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به . نعم ، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد .