تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا لا يحلّ ولا ينبغي . قال مالك : ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابّته إلاَّ بشيء معلوم لا يزول . وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما . وقال أحمد بن حنبل والليث والثوريّ والأوزاعيّ والحسن بن حيّ وأبو يوسف ومحمد : لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع؛ وهو قول ابن عمر وطاوس . واحتجوا بقصة خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطرِ ما تخرجه أرضهم وثمارهم . قال أحمد : حديث رافع بن خَدِيج في النهى عن كِراء المَزارع مضطربُ الألفاظِ ولا يصح ، والقول بقصة خيبْرَ أولى وهو حديث صحيح . وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يُعطي الرجل سفينتَه ودابّته ، كما يُعطي أرضه بجزء مما يرزقه الله في العِلاج بها . وجعلوا أصلهم في ذلك القِراض المجْمَع عليه على ما يأتي بيانه في «المزَّمِّل» إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله ﴾ [ المزمل : 20 ] وقال الشافعي في قول ابن عمر : كنا نُخَابِر ولا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع ابن خَدِيج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ، أي كنا نكرِي الأرض ببعض ما يخرج منها . قال : وفي ذلك نسخٌ لسُنّة خيبر .

قلت : ومما يصحح قول الشافعيّ في النسخ ما رواه الأئمّة واللفظ للدّارقُنِيّ عن جابر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المُحاقَلَة والمُزَابَنَة والمُخَابَرَة وعن الثُّنْيَا إلاَّ أن تُعلم . صحيح . وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُخَابَرَة . قلت : وما المخابرة؟ قال : أن تأخذ الأرض بِنِصْف أو ثُلُث أو رُبُع .

الثامنة والثلاثون في القراءات . قرأ الجمهور «مَا بَقِيَ» بتحريك الياء ، وسكنها الحسن؛ ومثله قول جرير :

هو الخليفةُ فارّضَوْا ما رَضِي لَكُمُ ... ماضِي الْعزُيمةِ ما في حُكْمِه جَنَف

وقال عمر بن أبي ربعية :

كم قد ذَكرتُك لَوْ أُجْزَى بذكرِكُم ... يا أشْبَهَ الناسِ كُلَّ الناسِ بالقَمْرِ

إنّي لأجْذَلُ أن أُمْسِي مُقابِلَهُ ... حُبّاً لرؤية مَن أشْبَهْت في الصُّوَرِ

أصله «ما رِضيَ» و «أن أمسِيَ» فأسكنها وهو في الشعر كثير . ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء . ومن هذه اللغة أحِبّ أن أدْعُوك ، وأشتهي أن أقْضِيكَ ، بإسكان الواو والياء . وقرأ الحسن «ما بَقَى» بالألف ، وهي لغة طي ، يقولون للجارية : جاراة ، وللناصية : ناصاة؛ وقال الشاعر : لعمركَ لا أخْشى التّصَعْلُكَ ما بَقَي ... على الأرض قَيْسِيّ يسوق الأباعرا

وقرأ أبو السّمّال من بين جميع القُراء «مِن الرِّبُوْ» بكسر الراء المشدّدة وضم الباء وسكون الواو . وقال أبو الفتح عثمان بن جِني : شذّ هذا الحرف من أمرين ، أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم ، والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم . وقال المهدوِيّ : وجهها أنه فَخّم الألف فانْتَحَى بها نحو الواو التي الألف منها؛ ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه؛ إذْ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة . وأمَالَ الكِسائيّ وحمزة «الربا» لمكان الكسرة الراء . الباقون بالتفخيم لفتحة الباء . وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة فَآذِنُوا على معنى «فآذِنوا» غيركم ، فحذف المفعول . وقرأ الباقون «فَأْذَنُوا» أي كونوا على إذن؛ من قولك : إني على علم؛ حكاه أبو عبيد عن الأصمعيّ . وحكى أهل اللغة أنه يُقال : أذْنِت به إذْناً ، أي علمت به ، وقال ابن عباس وغيره من المفسرين : معنى «فَأْذَنُوا» فاستيقنوا الحرب من الله تعالى ، وهو بمعنى الإذْن . ورجح أبو عليّ وغيره قراءة المدّ قال : لأنهم إذا أُمِروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علمِوا هم لا محالة . قال : ففي إعْلامهم عِلمُهم وليس في علمهم إعلامهم . ورجح الطبريّ قراءة القصر؛ لأنها تختَصَ بهم . وإنما أُمِروا على قراءة المد بإعلام غيرهم ، وقرأ جميع القُراء «لاَ تَظْلِمُونَ» بفتح التاء «وَلاَ تُظْلَمُونَ» بضمها . وروى المفضَّل عن عاصم «لاَ تُظْلَمُونَ» «وَلاَ تَظْلِمُونَ» بضم التاء في الأُولى وفتحها في الثانية على العكس . وقال أبو عليّ : تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله : «وَإنْ تُبْتُمْ» في إسناد الفعلين إلى الفاعل؛ فيجيء «تَظْلِمُون» بفتح التاء أشْكَلَ بما قبله .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٢٠