تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثامنة والعشرون قوله تعالى : ﴿ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ ووصف كَفّار بأثيم مبالغة ، مِن حيث اختلف اللفظان . وقيل : لإزالة الاشتراك في كَفّار؛ إذْ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض : قاله ابن فَوْرَك .

وقد تقدّم القول في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة ﴾ . وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمّنها عمل الصالحات تشريفاً لهما وتنبيهاً على قدرهما إذْ هما رأس الأعمال؛ الصلاة في أعمال البدن ، والزكاة في أعمال المال .

التاسعة والعشرون قوله تعالى : ﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً وإن كان معقوداً قبل نزول آية التحريم ، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضاً . وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقِيف ، وكانوا عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين . فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئاً فإن الربا قد رُفِع . ورفعوا أمرهم إلى عَتَّاب بن أَسِيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتَّاب؛ فعلمت بها ثقيف فكفَّتْ . هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما رَوى ابن إسحاق وابن جريج والسُّدِّي وغيرهم . والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه .

المُوفِية ثلاثين قوله تعالى : ﴿ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ شرطٌ محض في ثَقِيف على بابه؛ لأنه كان في أوّل دخولهم في الإسلام . وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرّر إيمانه فهو شرط مجازيّ على جهة المبالغة؛ كما تقول لمن تريد إقامة نفسه : إن كنت رجلاً فافعل كذا . وحكى النَّقاش عن مُقَاتل بن سليمان أنه قال : إنّ «إنْ» في هذه الآية بمعنى «إذ» . قال ابن عطيّة : وهذا مردود لا يعرف في اللغة .

وقال ابن فَوْرَك : يحتمل أن يريد ﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ ﴾ بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء ﴿ ذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ! إذْ لا ينفع الأوّل إلا بهذا . وهذا مردود بما روي في سبب الآية .

الحادية والثلاثون قوله تعالى : ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ هذا وعيد إن لم يَذَروا الربا ، والحرب داعية القتل . وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خُذْ سلاحك للحرب . وقال ابن عبّاس أيضاً : مَنْ كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحقّ على إمام المسلمين أن يستثيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه . وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بَهْرَجاً أينما ثُقِفُوا . وقيل : المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله ، أي أعداء . وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد : ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتَدِّين ، والحكم فيه كالحكم في أهل الردّة ، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتُهم؛ ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال : ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [ البقرة : 279 ] . وقرأ أبو بكر عن عاصم «فآذِنُوا» ، على معنى فأعلموا غيرَكم أنكم على حربهم .

الثانية والثلاثون ذكر ابن بكير قال : جاء رجل إلى مالك بن أنَس فقال : يا أبا عبد الله ، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر يريد أن يأخذ القمر؛ فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشرُّ من الخمر . فقال : ارجعْ حتى أنظر في مسألتك . فأتاه من الغد فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : امرأتك طالق؛ إني تصفحت كتاب الله وسنّة نبيه فلم أر شيئاً أشرّ من الربا؛ لأن الله أذِن فيه بالحرب .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٧