الثانية والعشرون روى أبو داود عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقر ورَضِيتم بالزَّرْع وتركتم الجهادَ سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم " في إسناده أبو عبد الرحمن الخُرَاسانيّ . ليس بمشهور . وفسر أبو عُبَيْد الهَرَوِيّ العِينةَ فقال : هي أن يبيع من رجل سِلعةً بثمن معلوم إلى أجلٍ مسمّى ، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به . قال : فإن اشترى بحضرة طالب العِينة سِلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العِينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ، ثم باعها المشتري من البائع الأوّل بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضاً عِينةٌ ، وهي أهون من الأُولى ، وهو جائز عند بعضهم . وسمِّيت عينةً لحضور النقد لصاحب العِينة ، وذلك أن العَيْن هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره .
الثالثة والعشرون قال علماؤنا : فَمنْ باع سلعةً بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به ، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد ، أو إلى أجلٍ دون الأجل الذي باعها إليه ، أو إلى أبعد منه ، بمثل الثمن أو بأقل منه أو بأكثر؛ فهذه ثلاث مسائل : وأما الأُولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز ، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة؛ لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو ، وهذا هو الربا بعينه . وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل ، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه ، ولا يجوز بأكثر؛ فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر . ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة ، ومدارها على ما ذكرناه ، فاعلم .
الرابعة والعشرون قوله تعالى : ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ أي من أمر الربا لا تِباعةً عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة؛ قاله السُّدّي وغيره . وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثَقِيف ومن كان يتّجر هنالك . وسلف : معناه تقدّم في الزمن وانقضى .
الخامسة والعشرون قوله تعالى : ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ فيه أربع تأويلات : أحدها أن الضمير عائد إلى الربا ، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك . والآخر أن يكون الضمير عائداً على «ما سلف» أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التَّبِعة فيه . والثالث أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا ، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا . واختار هذا القول النحاس ، قال : وهذا قول حسن بيِّن ، أي وأمرُه إلى الله في المستقبل إن شاء ثبّته على التحريم وإن شاء أباحه . والرابع أن يعود الضمير على المنتهى؛ ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير؛ كما تقول : وأمره إلى طاعة وخير ، وكما تقول : وأمره في نموّ وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته .
السادسة والعشرون قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ يعني إلى فعل الربا حتى يموت؛ قاله سفيان . وقال غيره : مَنْ عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر . قال ابن عطية : إن قدّرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي ، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة ، كما تقول العرب : مُلْكٌ خالد ، عبارةً عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي :
السابعة والعشرون قوله تعالى : ﴿ يَمْحَقُ الله الربا ﴾ يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيراً . روى ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الرِّبَا وإن كَثُر فعاقبتُه إلى قُلّ " وقيل : ﴿ يَمْحَقُ الله الربا ﴾ يعني في الآخرة .
وعن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ يَمْحَقُ الله الربا ﴾ قال : لا يقبل منه صدقةً ولا حجّاً ولا جهاداً ولا صلةً . والمَحْقُ : النقص والذهاب؛ ومنه مُحَاق القمر وهو انتقاصه . ﴿ وَيُرْبِي الصدقات ﴾ أي يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة . وفي صحيح مسلم : " إن صدقة أحدِكم لتقع في يد الله فَيَربِّيها له كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فصيلَه حتى يجيء يوم القيامة وإن اللّقمة لعلى قدر أحُد " وقرأ ابن الزبير «يُمَحِّق» بضم الياء وكسر الحاء مشدّدة «يُرَبِّي» بفتح الراء وتشديد الباء ، ورُويت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك .