وقوله : «فردّوه» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه؛ وهو قول الجمهور؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث يقول : إنّ بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ، ممنوع بوصفه من حيث هو رِباً ، فيسقط الربا ويصح البيع . ولو كان على ما ذُكر لما فسخ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ، ولأمره بردّ الزيادة على الصاع ولصحّح الصفقة في مقابلة الصاع .
الموفية عشرين كل ما كان من حرام بيّن ففُسخ فعلى المبتاع ردّ السلعة بعينها . فإن تلفت بيده ردّ القيمة فيما له القيمة ، وذلك كالعقار والعُروض والحيوان ، والمِثْل فيما له مِثل من موزون أو مكيل من طعام أو عَرَض . قال مالك : يُردّ الحرام البيّن فات أو لم يفت ، وما كان مما كره الناس رُدّ إلاّ أن يفوت فيترك .
الحادية والعشرون قوله تعالى : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ قال جعفر بن محمد الصّادق رحمهما الله : حرّم الله الربا ليتقارض الناس . وعن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " قَرْضُ مرّتين يعدل صدقة مرّة " أخرجه البزّار ، وقد تقدّم هذا المعنى مستوفًى . وقال بعض الناس : حرمه الله لأنه مَتْلَفة للأموال مَهْلَكة للناس . وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى : «فَمَنْ جَاءَهُ» لأن تأنيث «الموعظة» غير حقيقي وهو بمعنى وعظ . وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة .
هذه الآية تلتها عائشة لمّا أخبرت بفعل زيد بن أَرْقَم . روى الدَّارَقُطْنِي عن العالية بنت أنفع قالت : خرجت أنا وأُم مُحِبّة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها ، فقالت لنا : ممن أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة ، قالت : فكأنها أعرضت عنا ، فقالت لها أُم مُحِبّة : يا أُمّ المؤمنين! كانت لي جارية وإني بعتها من زيد ابن أرقم الأنصاريّ بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقداً . قالت : فأقبلت علينا فقالت : بئسما شريتِ وما اشتريت! فأبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب . فقالت لها : أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي؟ قالت : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ . العالية هي زوج أبي إسحاق الهَمْدانيّ الكوفي السَّبيعيّ أم يونس بن أبي إسحاق . وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال ، فإن كان منها ما يؤدّي إلى الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ظاهره بيعاً جائزاً . وخالف مالكاً في هذا الأصل جمهورُ الفقهاء وقالوا : الأحكام مبنيّة على الظاهر لا على الظنون . ودليلنا القول بسدّ الذرائع؛ فإن سلِّم وإلا استدللنا على صحته . وقد تقدّم . وهذا الحديث نصٌّ؛ ولا تقول عائشة «أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب» إلا بتوقيف؛ إذْ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما تقدّم .
وفي صحيح مسلم عن النُّعْمان بن بَشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الحلالَ بيّن والحرامَ بيّن وبينهما أُمورٌ مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس فمنِ اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضِه ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحِمى يُوشِك أن يوقع فيه ألاَ وإن لكل مَلِكٍ حِمىً ألاَ وإن حِمَى الله مَحَارِمه " وجهُ دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرّمات وذلك سدٌّ للذريعة . وقال صلى الله عليه وسلم : " «إن من الكبائر شتْمَ الرجل والديه» قالوا : وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال : «يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبُّ أُمَّه فيسب أُمه» " فجعل التعريض لسبّ الآباء كسب الآباء . ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود إذ أكلوا ثمن ما نُهُوا عن أكله . وقال أبو بكر في كتابه : لا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة . ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة . واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف ، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يُسْكر ، وعلى تحريم الخَلْوة بالأجنبية وإن كان عِنِّيناً ، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابّة إلى غير ذلك مما يكثُر ويُعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع؛ لأنها ذرائع المحرّمات . والربا أحق ما حُمِيَتْ مراتعه وسُدّت طرائقه ، ومن أباح هذه الأسباب فليُبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات ، وذلك لا يقوله أحد . وأيضاً فقد اتّفقنا على منع من باع بالعِينة إذا عُرِف بذلك وكانت عادته ، وهي في معنى هذا الباب . والله الموفق للصواب .