الخامسة عشرة قوله تعالى : ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ هذا من عموم القرآن ، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدّم بيع مذكور يُرجع إليه؛ كما قال تعالى : ﴿ والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ ثم استثنى ﴿ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ [ العصر : 2 ] . وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصّص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نُهي عنه ومنع العقد عليه؛ كالخمر والميتة وحبلَ الحَبَلة وغير ذلك مما هو ثابت في السُّنُّة وإجماع الأُمة النَّهيُ عنه . ونظيره «اقتلوا الْمُشْرِكِينَ» وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص ، وهذا مذهب أكثر الفقهاء . وقال بعضهم : هو من مجمل القرآن الذي فسّر بالمحلّل من البيع وبالمحرّم فلا يمكن أن يُستعمَل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيانٌ من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإن دلّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل . هذا فرق ما بين العموم والمُجْمَل . فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخصّ بدليل . والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان . والأوّل أصح . والله أعلم .
السادسة عشرة البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا ، أي دفع عِوضاً وأخذ مُعَوَّضاً . وهو يقتضي بائعاً وهو المالك أو من ينَزّل منزلته ، ومُبتاعاً وهو الذي يبذل الثمن ، ومَبيعاً وهو المثمون وهو الذي يُبْذَل في مقابلته الثمن .
وعلى هذا فأركان البيع أربعة : البائع والمبتاع والثمن والمُثَمَّن . ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه؛ فإن كان أحد المعوّضين في مقابلة الرَّقبة سُمّي بيعاً ، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة فإن كانت منفعة بُضع سُمّيَ نكاحاً ، وإن كانت منفعة غيرها سُمّيَ إجارة ، وإن كان عَيْناً بعين فهو بيع النقد وهو الصرف ، وإن كان بديْن مُؤَجّل فهو السَّلَم ، وسيأتي بيانه في آية الدَّين . وقد مضى حكم الصَّرْف ، ويأتي حكم الإجارة في «القصص» وحكم المهر في النكاح في «النساء» كلّ في موضعه إن شاء الله تعالى .
السابعة عشرة البيع قبولٌ وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي؛ فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية ، ويقع بالصّريح والكناية المفهوم منها نقل المِلك . فسواء قال : بعتك هذه السِّلعة بعشرة فقال : اشتريتها ، أو قال المشتري : اشتريتها وقال البائع : بعْتُكَها ، أو قال البائع : أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري : أنا أشتري أو قد اشتريت ، وكذلك لو قال : خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بُورك لك فيها بعشرة أو سلمتها إليك وهما يريدان البيع فذلك كلّه بيع لازم . ولو قال البائع : بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال : ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو ردّه؛ لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها ، وقد قال ذلك له؛ لأن العقد لم يتم عليه . ولو قال البائع : كنت لاعباً ، فقد اختلفت الرواية عنه؛ فقال مرّة : يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله . وقال مرّة : ينظر إلى قيمة السلعة .
فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم ، وإن كان متفاوتاً كعبد بدرهم ودار بدينار ، عُلم أنه لم يُرد به البيع ، وإنما كان هازلاً فلم يلزمه .
الثامنة عشرة قوله تعالى : ﴿ وَحَرَّمَ الربا ﴾ الألف واللام هنا للعهد ، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيّناه ، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهيّ عنها .
التاسعة عشرة عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال؛ لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال : " جاء بلال بتمر بَرْنِيّ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أين هذا»؟ فقال بلال : من تمرٍ كان عندنا رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لمَطْعَم النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : «أَوْهِ عَيْنُ الرِّبَا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتريَ التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به» " وفي رواية " هذا الرِّبا فردّوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا " قال علماؤنا : فقوله؛ «أوهِ عين الربا» أي هو الربا المحرّم نفسه لا ما يشبهه .