وتُصبِح عن غِبّ السُّرَى وكأنّما ... أَلَمَّ بها من طائِف الجِنّ أوْلَقُ
وقال آخر :
لَعَمْرُك بي من حُبِّ أسماءَ أَوْلَقُ ... لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعّف هذا التأويل .
و «يَتَخَبَّطُهُ» يتفعّله من خَبَط يخبِط؛ كما تقول : تملّكه وتعبّده . فجعل الله هذه العلامة لأكَلَة الربا؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم ، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون . ويقال : إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحُبَالَى ، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم . وقال بعض العلماء : إنما ذلك شِعارٌ لهم يُعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك؛ كما أن الغَالَّ يجيء بما غَلَّ يوم القيامة بشهرة يشهّر بها ثم العذاب من وراء ذلك . وقال تعالى : «يَأْكُلُونَ» والمراد يكسبون الربا ويفعلونه . وإنما خَصّ الأكل بالذِّكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال؛ ولأنه دالّ عى الجشع وهو أشدّ الحرص؛ يقال : رجل جَشِع بيّن الجَشَع وقوم جَشِعون؛ قاله في المُجْمَل . فأُقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلّه؛ فاللباس والسكنى والادّخار والإنفاق على العيال داخل في قوله : ﴿ الذين يَأْكُلُونَ ﴾ .
الثانية عشرة في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصَّرْع من جهة الجِنّ ، وزعم أنه من فِعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مَسٌّ ، وقد مضى الردّ عليهم فيما تقدّم من هذا الكتاب . وقد روى النسائيّ عن أبي اليَسَر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : " اللّهم إني أعوذ بك من التّرَدِّي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخَبّطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبِراً وأعوذ بك أن أموت لَدِيغا " ورُوي من حديث محمد بن المُثَنَّى حدّثنا أبو داود حدّثنا همّام عن قَتادة عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " اللَّهم إني أعوذ بك من الجنون والجُذام والبَرَص وسَيِّء الأسقام " والمس : الجنون؛ يقال : مُسَّ الرّجلُ وأَلِسَ؛ فهو ممسوس ومألُوس إذا كان مجنوناً؛ وذلك علامة الربا في الآخرة . " وروي في حديث الإسراء : «فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضَّخْم متصدين على سابلة آلِ فرعون وَآلُ فرعون يُعرضون على النار بُكْرَةً وَعَشِيّاً فيُقْبِلون مثل الإبل المَهْيُومة يتخبّطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون بَرَاحاً حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البَرْزَخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تُقِمِ الساعة أبداً؛ فإن الله تعالى يقول : ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ [ غافر : 46 ] قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال : «هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ» " والمسّ الجنون وكذلك الأَوْلَق والأُلْس والرّود .
الثالثة عشرة قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ معناه عند جميع المتأوّلين في الكفار ، ولهم قيل : «فَلَهُ مَا سَلَفَ» ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلاً؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : " مَن عمل عَملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ " لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية .
الرابعة عشرة قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخراً كمثل أصل الثمن في أوّل العقد ، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك؛ فكانت إذا حلّ ديْنها قالت للغريم : إما أن تَقْضِي وإما أن تُرْبِي ، أي تزيد في الدَّين . فحرم الله سبحانه ذلك وردّ عليهم قولهم بقوله الحق : ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ وأوضح أن الأجل إذا حلّ ولم يكن عنده ما يؤدّي أُنْظِر إلى المَيْسرة . وهذا الربا هو الذي نسخه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لمّا قال : " ألا إن كل رباً موضوع وإن أوّل رِبا أضعه رِبانا رِبَا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله " فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمِّه وأخص الناس به . وهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس .