تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثامنة أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مِثْلاً بِمثْل . واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين ، والحبة الواحدة من القمح بحبّتين؛ فمنعه الشافعيّ وأحمد وإسحاق والثّوريّ ، وهو قياس قولِ مالك وهو الصحيح؛ لأن ما جرى الرِّبَا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياساً ونَظَراً . احتجّ من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة ، قال : لأنه لا مَكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل .

التاسعة اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة ، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في عِلّة الربا؛ فقال أبو حنيفة : علة ذلك كونه مكيلاً أو موزوناً جنساً ، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد ، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلاً أو نَسِيئاً لا يجوز؛ فمنع بَيْع التراب بعضه ببعض متفاضلاً؛ لأنه يدخله الكيل ، وأجاز الخبزَ قُرْصاً بقرصين؛ لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله ، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه . وقال الشافعيّ : العِلّة كونه مطعوماً جنْساً . هذا قوله في الجديد؛ فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلاً ولا نسيئا ، وسواء أكان الخبز خميراً أو فَطيراً

ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين ، ولا رُمّانة برمانتين ، ولا بطيخة ببطيختين لا يداً بِيَد ولا نسيئة؛ لأن ذلك كله طعام مأكول . وقال في القديم : كونه مكيلاً أو موزوناً . واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك؛ وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتاً مدّخراً للعيش غالباً جنساً؛ كالحنطة والشعير والتّمْر والملح المنصوص عليها ، وما في معناها كالأرز والذرة والدّخْن والسِّمْسِم ، والقَطَانِيّ كالفول والعَدَس واللُّوبْياء والحِمّص ، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت ، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون ، واختُلف في التين ، ويلحق بها العسل والسكر . فهذا كله يدخله الربا من جهة النَّسَاء . وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام : " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفّاح والبطّيخ والرُّمان والكُمِّثْرى والقِثّاء والخيار والباذَنْجان وغير ذلك من الخضروات . قال مالك : لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلاً؛ لأنه مما يدّخر ، ويجوز عنده مِثْلاً بمثْل . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : جائزٌ بيضة ببيضتين وأكثر؛ لأنه مما لا يدّخر ، وهو قول الأُوزاعيّ .

العاشرة اختلف النّحاة في لفظ «الرِّبا» فقال البصريون : هو من ذوات الواو؛ لأنك تقول في تثنيته : رِبَوان؛ قاله سيبويه . وقال الكوفيون : يكتب بالياء ، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي في أوّله . قال الزجاج : ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع! لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يُخطئوا في التثنية وهم يقرءون ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس ﴾ [ الروم : 39 ] قال محمد بن يزيد : كُتب «الربا» في المصحف بالواو فرقاً بينه وبين الزنا ، وكان الربا أولى منه بالواو؛ لأنه من ربا يربو .

الحادية عشرة قوله تعالى : ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ﴾ الجملة خبر الابتداء وهو «الَّذِينَ» . والمعنى من قبورهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جُبير وقَتادة والربيع والضّحاك والسُّدِّي وابن زيد . وقال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنقه . وقالوا كلهم : يُبعث كالمجنون عقوبةً له وتمقِيتاً عند جميع أهل المَحْشَر . ويُقوِّي هذا التأويل المُجْمَع عليه أن في قراءة ابن مسعود «لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم» . قال ابن عطية : وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بِحرْص وجَشَع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون ، لأن الطمع والرغبة تستفِزّه حتى تضطرب أعضاؤه؛ وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما مِن فزع أو غيره : قد جُنّ هذا! وقد شبّه الأَعْشَى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله :

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٢