وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر . قال قَبيصة بن ذُؤيب : إن عُبادة أنكر شيئاً على معاوية فقال : لا أُساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة . فقال له عمر : ما أقدمك؟ فأخبره . فقال : ارجع إلى مكانك ، فقبّح الله أرضاً لست فيها ولا أمثالك! وكتب إلى معاوية «لا إمارة لك عليه» .
الخامسة روى الأئمة واللفظ للدّارَقُطْنِيّ عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فَضْلَ بينهما من كانت له حاجة بورقِ فلْيَصرِفْها بذهب وإن كانت له حاجةٌ بذهب فليصرفها بوَرِق هَاءَ وهَاء " قال العلماء فقوله عليه السلام : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما " إشارةٌ إلى جنس الأصل المضروب؛ بدليل قوله : " الفضة بالفضة والذهب بالذهب " الحديث . والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مِثْلا بِمثل سواء بسواء على كل حال؛ على هذا جماعة أهل العلم على ما بيّنا . واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمناً للأشياء ، ومنع من إلحاقها مرّة من حيث إنها ليست ثمناً في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد .
السادسة لا اعتبار بما قد رُوي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفِزه الخروج وبه حاجة إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ مضروبةٍ ، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضرّاب؛ خذ فضّتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إليّ دنانير مضروبةً في ذهبي أو دراهمَ مضروبةً في فضّتِي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه ، أن ذلك جائز للضرورة ، وأنه قد عمل به بعض الناس . وحكاه ابن العربيّ في قبسه عن مالك في غير التاجر ، وأن مالكاً خفّف في ذلك؛ فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا . والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له : اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأُجرة ، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أُجرتها؛ فالذي فعل مالك أوّلاً هو الذي يكون آخراً ، ومالك إنما نظر إلى المال فركّب عليه حكم الحال ، وأباه سائر الفقهاء . قال ابن العربيّ : والحجة فيه لمالك بيِّنة . قال أبو عمر رحمه الله : وهذا هو عين الرِّبا الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " من زاد أو ازداد فقد أرْبَى " وقد ردّ ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها . وزعم الأَبْهَرِيّ أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق ، وليس الربا إلا على من أراد أن يُرْبِي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه .
ونسي الأبهرِيّ أصله في قطع الذرائع ، وقوله فيمن باع ثوباً بنسِيئة وهو لا نيّة له في شرائه ثم يجده في السوق يباع : إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه؛ ومثله كثير ، ولو لم يكن الربا إلا على مَن قصده ما حُرّم إلا على الفقهاء . وقد قال عمر : لا يتّجر في سوقنا إلا من فَقُه وإلاّ أكل الربا . وهذا بيّن لمن رُزق الإنصاف وألْهِم رشده .
قلت : وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهَّم كالمتحقق ، فمنع ديناراً ودرهماً بدينار ودرهم سَدّاً للذَّريعة وحَسْماً للتَوهُّمات؛ إذ لولا توهَّم الزيادة لما تبادلا . وقد عُلّل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع؛ فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب . وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنويّ ، وذلك أنه منع ديناراً من الذهب العالي وديناراً من الذهب الدّون في مقابلة العالي وألغى الدون ، وهذا من دقيق نظره رحمه الله؛ فدل أن تلك الرواية عنه مُنْكَرة ولا تصح . والله أعلم .
السابعة قال الخطّابيّ : التِّبْر قِطَع الذهب والفضة قبل أن تُضرَب وتُطبع دراهم أو دنانير ، واحدتها تِبْرة . والعَيْن : المضروب من الدراهم أو الدنانير . وقد حَرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عَيْنٍ بمثقالٍ وشيء من تِبْرٍ غيرِ مضروب . وكذلك حَرّم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها ، وذلك معنى قوله : «تِبْرُها وعَيْنُها سواء» .