تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأُولى قوله تعالى : ﴿ الذين يَأْكُلُونَ الربا ﴾ يأكلون يأخذون ، فعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأن الأخذ إنما يراد للأكل . الربا في اللغة الزيادة مطلقاً؛ يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ، ومنه الحديث : « فلا والله ما أخذنا من لقمة إلاّ رَبَا من تحتها » يعني الطعام الذي دعا فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالبركة؛ خرّج الحديث مسلم رحمه الله . وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوّله ، وقد كتبوه في القرآن بالواو . ثم إن الشرع قد تصرّف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده؛ فمرّة أطلقه على كسب الحرام؛ كما قال الله تعالى في اليهود : ﴿ وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ [ النساء : 161 ] . ولم يرد به الرّبا الشرعيّ الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام؛ كما قال تعالى : ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [ المائدة : 42 ] يعني به المال الحرام من الرّشا ، وما استحلوه من أموال الأُمِّيِّين حيث قالوا : ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ ﴾ [ آل عمران : 75 ] . وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأيّ وجه اكتُسب . والربا الذي عليه عُرف الشرع شيئان : تحريم النَّسَاء ، والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبيّنه . وغالبه ما كانت العرب تفعله ، من قولها للغريم : أتقضي أُم تُرْبِي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه . وهذا كله محرّم باتفاق الأُمة .

الثانية أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادةٍ إمّا في عين مال ، وإمّا في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه . ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة؛ كبيع الثمرة قبل بُدُوّ صلاحها ، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة؛ فإن قيل لفاعلها؛ آكل الربا فتجوُّز وتشبيه .

الثالثة روى الأئمة واللفظ لمُسْلم عن أبي سعيد الخُدْريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثْلا بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربَى الآخذ والمعطي فيه سواء » وفي حديث عُبادة بن الصّامت : « فإذا اختلفت هذه الأصناف فبِيعُوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » وروى أبو داود عن عُبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الذهب بالذهب تِبْرُها وعَيْنها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبُرُّ بالبرّ مُدْيٌ بمُدْيٍ والشعير بالشعير مدْي بمُدْي والتمر بالتمر مُدْيٌ بمُدْيٍ والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُدْيٍ فمن زاد أو ازداد فقد أرْبَى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرهما يداً بيد وأما نَسِيئة فلا ولا بأس ببيع البرِّ بالشعير والشعيرُ أكثرهما يداً بيد وأما نسِيئة فلا »

وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السُّنّة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البُرّ والشعير فإن مالكاً جعلهما صنفاً واحداً ، فلا يجوز منهما اثنان بواحد ، وهو قول الليث والأُوزاعيّ ومعظم علماء المدينة والشام ، وأضاف مالك إليهما السُّلْت . وقال الليث : السلت والدُّخن والذرة صنف واحد؛ وقاله ابن وهب .

قلت : وإذا ثبتت السُّنّة فلا قول معها . وقال عليه السلام : " «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» . وقوله : «البُرُّ بالبُرِّ والشعير بالشعير» " دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البُرّ للتمر؛ ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة ، ولا اعتبار بالمنبِت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع ، بل فصل وبيّن؛ وهذا مذهب الشافعيّ وأبي حنيفة والثّوريّ وأصحاب الحديث .

الرابعة كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبيّ صلى الله عليه وسلم في الدِّينار المضروب والدرهم المضروب لا في التِّبر من الذهب والفضة بالمضروب ، ولا في المَصُوغ بالمضروب . وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة ، حتى وقع له مع عُبَادة ما خرّجه مسلم وغيره ، قال : غَزَوْنا وعلى الناس معاويةُ فغِنمنا غنائمَ كثيرةً ، فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلاً ببيعها في أَعْطِيّات الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادةَ بن الصامت ذلك فقام فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواءً بسواء عَيْناً بعَيْن من زاد أو ازداد فقد أرْبَى؛ فردّ الناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاويةَ فقام خطيباً فقال : ألاَ ما بالُ رجالٍ يتحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثَ قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه! فقام عُبَادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال : لنحدّثنّ بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاويةُ أو قال وإن رَغِم ما أُبالي ألاّ أصحبَه في جُنْدِه في ليلةٍ سَوْداء . قال حمّادٌ هذا أو نحوَه . قال ابن عبد البرّ : وقد رُوي أن هذه القِصة إنما كانت لأبي الدّرداء مع معاوية . ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه ، ولكن الحديث في العُرْف محفوظ لعُبَادة ، وهو الأصل الذي عوّل عليه العلماء في باب «الربا» . ولم يختلفوا أنّ فعل معاوية في ذلك غير جائز ، وغير نَكِير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعُبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم ، وقد خفِي على أبي بكر وعمر ما وُجد عند غيرهم ممن هو دونهم ، فمعاويةُ أحرى . ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس ، فقد كان وهو بحرٌ في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأساً حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٠