تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ وقوله تعالى : « وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ».. إشارة إلى أن إيمانهم باللّه ، ويقينهم بلقائه لم يزايل مكانه من قلوبهم لحظة ، ولم ينحرف عن موضعه أي انحراف .. فهم على حال واحدة من أمر ربّهم ، ومن الثقة بما وعدهم اللّه على يد رسوله .. على حين أن كثيرا ممن كان معهم ممن أسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم ، قد بدّلوا مواقفهم ، وكثرت تحركاتهم بين الإيمان والكفر ...

قوله تعالى : « لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ».اللام في قوله تعالى : « لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ » هى لام العاقبة لقوله تعالى : « وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ».

. أي أنهم فعلوا ذلك ليجزيهم اللّه بصدقهم في إيمانهم ، وبوفائهم بعهودهم .. وقد أقيم الظاهر مقام المضمر فجاء النظم القرآنى « لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ » بدلا من : « ليجزيهم اللّه بصدقهم ، » وذلك للتنويه بهم ، ولإلباسهم هذه الصفة التي حققوها في أنفسهم وهى الصدق ، فكانوا الصادقين حقا .. ولم يذكر القرآن ما يجزيهم اللّه به ، إشارة إلى أنه جزاء معروف ، وهو الإحسان .. فما يجزى المحسنون إلا إحسانا ، كما يقول سبحانه : « هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ .. »فهو جزاء لا يحتاج إلى بيان.

وقوله تعالى : « وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ .. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ».. هو الجزاء الذي يلقاه أولئك الذين بدّلوا موقفهم من الإسلام ، وهم المنافقون ، الذين انحرفوا عن الطريق الذي كانوا عليه ..

فالمؤمنون الذين لم يبدّلوا موقفهم ، ولم يحيدوا عن طريقهم الذي استقاموا عليه ـ هؤلاء لهم من جزاء إيمانهم وإحسانهم ، ما هم أهل له ، من الإحسان والرضوان .. والذين بدّلوا ، ونافقوا ، ولم يصدقوا في إيمانهم باللّه ـ هؤلاء إما أن يعذّبهم اللّه ، إذا هم مضوا على نفاقهم ، ولم تدركهم رحمة اللّه ، فتخرجهم من هذا النفاق ، وتعيدهم إلى الإيمان ، وإما أن تنالهم رحمة اللّه ، فيتوبوا من قريب ، ويدخلوا في المؤمنين الصادقين ..

وفي قيد العذاب بالمشيئة الإلهية ، إشارة إلى أن مشيئة اللّه في هؤلاء المنافقين الذين كتب عليهم الشقاء والعذاب ، هى التي أمسكت بهم على طريق النفاق ، وخلّت بينهم وبين ما في قلوبهم من مرض ، وأن رحمة اللّه هى التي أدركت بعض هؤلاء المنافقين ، وعدلت بهم عن طريق النفاق ..

وإذن فليطلب المنافق من هؤلاء المنافقين السلامة لنفسه ، وليسع سعيه ليكون ممن يتوب اللّه عليهم .. وليعلم أن في هؤلاء المنافقين من هو من أهل العذاب ، وأن عليه أن يحذر ما استطاع أن يكون منهم ..

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ٩٧