تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17- من جاهد فلنفسه :

قال تعالى : ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (6) سورة العنكبوت

وَمَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ في جِهَادِ عَدُوٍّ لِدِينِهِ وَوَطَنِهِ وَقَوْمِهِ ، وَفي مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ ، وَكَفَّها عَنِ التَّفْكِيرِ في المُنْكَرِ والسُّوءِ ، فإِنَّهُ إِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ نَفْعِ نَفْسِهِ ، بِالفَوْزِ بِثَوابِ اللهِ عَلى جِهَادِهِ ، وبِالنَّجَاةِ مِنْ عِقَابِهِ ، وَلَيْسَ اللهُ بِحَاجَةٍ إِلى جِهَادِ أَحَدٍ ، فَهُوَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَهُوَ عَزِيزٌ لا يُنَالَ وَلاَ يُضَامُ .

قال الخطيب : " هذا البلاء الذي يحتمله المؤمنون ، وهذا الجهاد الذي يجاهدونه فى سبيل اللّه ، إنما هو تزكية لأنفسهم ، وتطهير لقلوبهم ، وإعلاء لذواتهم ..

وإنه ليس للّه من أعمال عباده ما ينفعه أو يضره .. فلا ينفعه طاعة المطيعين ، ولا يضره عصيان العاصين .. وكيف ، وهو سبحانه الذي يقوم على وجودهم ويحفظ عليهم حياتهم ، ويمدّهم بكل نفس يتنفسونه في هذه الحياة ؟ « إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ». إن هذا الجهاد ، وهذا الصراع القائم بين الحق والباطل ، وبين المؤمنين والكافرين ، هو ضريبة الحياة ، وهو الثمن الذي يقدمه المؤمنون المجاهدون في سبيل حياة أفضل .. فهم أصحاب الحياة بحق ، وغيرهم دخيل عليها ، لا يستحق أن يأخذ مكانا كريما فيها .. فجهاد المجاهدين ، هو فى الواقع ، جهاد في سبيل وجودهم ، وجودا كريما في هذه الحياة الدنيا ، وإلّا فالموت في مجال الصراع خير لهم ، حيث ينقلون إلى دار خير من دارهم ، وإلى حياة أفضل من حياتهم ..

إن النبتة لا ترى النور ، ولا تصافح النسيم ، حتى تدفع برأسها الواهي الضعيف هذا التراب الذي قام فوقها ، وحجب النور عنها ..!!

وفي الإنسان ـ كل إنسان ـ أشواق إلى عالم الحق والنور ، وتقوم بينه وبين هذا العالم سدود من الباطل والضلال ، وإنه لكى يصافح معالم الحق والنور ، ينبغى أن يزيل هذه السدود ، وأن يحطمها بكل ما أوتى من قوة ، وألا يتحول عن موقفه منها حتى يبلغ غايته ، أو يموت دونها. " (1)

وفي الظلال " فإذا كتب اللّه على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق ، فإنما ذلك لإصلاحهم ، وتكميلهم ، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة. والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه ويرفع من تصوراته وآفاته ويستعلي به على الشح بالنفس والمال ، ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات. وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة ، وما يعود عليها من صلاح حالها ، واستقرار الحق بينها ، وغلبة الخير فيها على الشر ، والصلاح فيها على الفساد.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (10 / 404)

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ١٣٣