26- شراء الحياة الدنيا بالآخرة :
قال تعالى :﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) ﴾ النساء
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الحَيَاةَ الدُّنْيا ، وَيَبْذُلَهَا ، وَيَجْعَلَهَا ثَمَناً للآخِرَةِ ، لأنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَعَزَّ دِينَ اللهِ ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيا . وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَظْفَرْ بِهِ عَدُوُّهُ وَيَقْتُلُهُ ، أَوْ يَظْفَرْ هُوَ بِعَدُوِّهِ ، فَإنَّ اللهَ سَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً مِنْ عِنْدِهِ .
قال الخطيب : " ذلك هو القتال فى سبيل اللّه ، لا يخفّ إليه ، ولا يندرج به فى جماعة المجاهدين ، إلا من وطّن نفسه على احتمال تبعاته ، وقدّر الموت قبل أن يقدر الحياة ، وشرى الحياة الدنيا بالآخرة .. فذلك هو الذي يحتسب له أجر المجاهدين عند اللّه ، إن سلم ، أو عطب ، لأنه بايع اللّه ، ووفّى بما عاهد اللّه عليه ، ووقع أجره على اللّه ، وهو نيّة الجهاد ، وعلى طريق المجاهدين ، وإن لم يلتحم فى معركة ، أو يشارك فى قتال .. إن ذلك المجاهد هو الذي يدعى للجهاد ، ويقبل فى صفوف المجاهدين .. أما أولئك المترددون ، الذين يأخذون الجانب الهيّن اللّين من كل أمر ، فلا مكان لهم فى هذا المقام الكريم ، الذي هو مقام الرجال!!
قوله تعالى : « وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً » بيان كاشف لموقف المجاهد ، ومكانته عند اللّه .. فهو فى إحدى منزلتين : إما أن يقتل ، فيحسب فى عداد الشهداء ، وإما أن يغلب وينتصر ، ويغنم .. وهو فى كلا الأمرين محمود عند اللّه ، له أجر الشهداء ومنزلة المستشهدين ..وفى قوله تعالى : « فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ » إشارة إلى أن المجاهدين فى سبيل لهم العاقبة والنصر أبدا .. وأن الذين استشهدوا قد كتبوا بدمائهم الزكية الطاهرة وثيقة النصر للجبهة المقاتلين فيها .. فالمجاهدون إما شهداء ، وإما منتصرون .. ومعنى هذا ألا يتحول المجاهدون عن الجهاد ، وألا يتركوا المعركة إلّا ومعهم النصر الذي وعدهم اللّه ، وجعله جزاء معجلا لهم ..ولهذا جاءت القسمة هكذا : « فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ » ولم تجىء كما يقضى به ظاهر الأمر .. « فيقتل » أو يسلم! " (1)
وفي تفسير المنار : " أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَخْذِ الْحَذَرِ مِنْ أَعْدَاءِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَأَهْلِهَا بِالِاسْتِعْدَادِ التَّامِّ لِلْحَرْبِ ، وَبِالنَّفْرِ وَكَيْفِيَّةِ تَعْبِئَةِ الْجَيْشِ وَسَوْقِهِ ، وَذَكَرَ حَالَ الْمُبْطِئِينَ عَنِ الْقِتَالِ ، وَكَوْنِهَا لَا تَتَّفِقُ مَعَ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقِتَالِ الْمَشْرُوعِ يُرَغِّبُ فِيهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ مَا عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - فِي دَارِ الْجَزَاءِ عَلَى الْكَسْبِ وَالْغَنِيمَةِ وَعَلَى الْفَخْرِ بِالْقُوَّةِ وَالْغَلَبِ فَقَالَ : فَلْيُقَاتِلْ فِي
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 834)