تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهم أن يعجبوا ، وأن ينكروا هذا الذي حدث لهم ، ويقولوا : « أنّى هذا ؟ » تلك القولة التي يكادون يهلكون بها أنفسهم وما اشتملت عليه من إيمان.

ثم إنه إذا صح للمسلمين أن يعجبوا ويستنكروا هذا الحدث ، فليكن ذلك مقصورا على ذات أنفسهم وحدها ، بمعزل عن الدّين الذي آمنوا به وأضيفوا إليه! فإنه إذا كان ثمة خلل فى جماعة المسلمين مكّن لعدوّهم أن ينال منهم ما نال ،فذلك الخلل إنما هو فى ذات أنفسهم ، لا فى الدين الذي يجاهدون فى سبيله :« قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ » أي بما أحدثتم فى هذا اليوم من أمور ، عزلت كثيرا منكم عن موقف الجهاد ، وباعدت بينهم وبين اللّه! لقد تغيّرتم أنتم أيها المسلمون ، وتغيّر ما بأنفسكم ، فغيّر اللّه مكانكم من النصر الذي كان دانيا لكم ، قريبا من أيديكم.

أمّا اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ فحاشا أن يتغيّر أو يتبدّل ، فترونه قويّا عزيزا يوم بدر ، ولا ترونه على تلك الصفة يوم أحد .. ذلك مما ينزّه اللّه عنه :« إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » قدرة مطلقة دائمة ، لا تحول ولا تزول أبدا.

وقوله تعالى : « وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ». هو عزاء ومواساة للمسلمين ، لما أصابهم فى تلك المعركة .. وأن يد المشركين ما كانت لتعلوهم إلا بإذن اللّه ، ولأمور قدّرها اللّه وأرادها.

وقوله سبحانه : « وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ » هو كشف لبعض ما أراد اللّه من هذا المصاب الذي وقع فى المسلمين ..

فهو امتحان وبلاء لهم ، ليعرفوا ما فى أنفسهم من إيمان وصبر ، وليتعاملوا مع اللّه على قدر ما انكشف من إيمانهم وصبرهم ..

وقوله تعالى : « وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ».

هو وجه آخر من وجوه الحكمة التي تنكشف من وراء هذا الذي حدث فى أحد ، وهو أن تنكشف وجوه المنافقين للمؤمنين ، فيأخذوا حذرهم منهم ، ويعزلوهم عنهم ، فإنهم ـ حيث كانوا ـ مرض خبيث ، يغتال قوى الجماعة التي يندس فيها ، ويختلط بها.

وقولة المنافقين هنا ، والتي حكاها القرآن الكريم عنهم فى قوله تعالى : « لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » قولة منافقة خبيثة ، تحمل وجوها من الكيد والتوهين لقوى المسلمين ، وهم فى مواجهة العدو.

فقد تحمل هذه القولة على أن هذه الجماعة المنافقة لا تعلم أن قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين ، وأن قريشا ، إنما جاءت لتعرض قوّتها ، ولتلقى فى قلوب المسلمين الرعب منها ، حتى لا يعترضوا تجارتها فى طريقها إلى الشام ..

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ٨٦