لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168)} آل عمران
مَا أَصَابَكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أحُدٍ ، حِينَمَا التَقَيْتُمْ بِعَدوكُمْ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ ، وَمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ هَزِيمَةٍ وَقَتْلٍ ، إنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ السَّابِقِ ، الذِي جَعَلَ المُسَببَاتِ نَتَائِجَ لأسْبَابِهَا ، فَكُلُّ عَسْكَرٍ يَعْصِي قَائِدَهُ ، وَيَكْشِفُ ظَهْرَهُ لِعَدُوِّهِ يُصَابُ بِمِثْلِ مَا أُصِبْتُمْ بِهِ ، وَأَكْثَر مِنْهُ ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ ، لأنَّ الشَّدَائِدَ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا ، وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا أَمَام العَدُوِّ .
وَالشَّدَائِدُ تُظهِرُ المَُاَفِقِينَ الذِينَ تَبَطَّنُوا بِالكُفْرِ ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، الذِينَ رَجَعُوا إلَى المَدِينَةِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ ، فَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَهُمْ لِلْعَوْدَةِ إلَى الصَّفِّ ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى القِتَالِ وَمُسَاعَدَةِ المُسْلِمِينَ ، وَإكْثَارِ عَدَدِهِمْ أمَامَ المُشْرِكِينَ ( أو ادْفَعُوا ) ، فَرَدُّوا مُتَعَلِّلِينَ : لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَلْقَونَ حَرْباً لاتَّبَعْنَاكُمْ ، وَلَكِنَّنَا فِي قُلُوبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَهُ . وَهُمْ حِينَما قَالُوا هَذَا القَوْل كَانُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أقرْبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ إلَى الإِيمَانِ ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَفِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَسَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ .
وَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ الذِين قَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ ، هُمُ الذِينَ قَالُوا عَنْ إِخْوَانِهِم الذِينَ قُتِلُوا فِي المَعْرَكَةِ : لَوْ سَمِعُوا مَشُورَتَنَا فِي القُعُودِ ، وَعَدَمِ الخُرُوجِ لَمَا قُتِلُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ .
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُسْتَنْكِراً قَوْلَهُمْ هَذَا : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : لَوْ كَانَ القُعُودُ يَسْلَمُ بِهِ الشَّخْصُ مِنَ القَتْلِ وَالمَوْتِ ، فَيَنْبَغِي عَلَيْكُمْ إلاَّ تَمُوتُوا . وَلَكِنَّ المَوْتَ آتٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ ، فَادْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ .
وقال الخطيب : " هذه مواجهة أخرى للمؤمنين الذين شهدوا أحدا ، ورأوا ما أصيبوا به فى أنفسهم وفى إخوانهم هناك ، ثم ما وقع فى نفوسهم من وساوس وظنون ، كلّما خبت جذوتها ، وبردت نارها ، نفخ فيها المنافقون ، والكافرون ، فازداد ضرامها ، وتسعّرت نارها ..
وفى هذه المواجهة يجد المؤمنون عتابا رقيقا من اللّه ، وعودا باللائمة عليهم فيما وقع لهم .. كما يجدون فيما بين العتاب واللوم عزاء وتسرية.
فإذا كان المسلمون قد أصيبوا يوم أحد ، فقد كان لهم فى عدوهم الذي رماهم بما أصيبوا به ، نكاية وجراحات فى يوم بدر ضعف ما أصابهم به فى يوم أحد .. « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ».
وإذن فلا يصح للمسلمين أن يقفوا بنظرهم عند ما أصيبوا به ، دون أن يمتد هذا النظر إلى ما كان لهم فى عدوّهم ، وهنا يستقيم النظر على الواقع كله ، فيرون أنهم أرجح كفّة ، وأربح صفقة .. وإذن فما ينبغى