ـ وقوله تعالى : « مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ».. الملة ، الشريعة ، وهى منصوبة على الإغراء .. أي الزموا هذه الملة ، ملة أبيكم إبراهيم.
ـ وقوله تعالى : « هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ » أي أنه هو الذي طلب من اللّه أن تكون من ذريته تلك الأمة المسلمة التي هى أنتم .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام : « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ » (128 : البقرة).فالداعيان ، هما إبراهيم وإسماعيل ، ودعوتهما ، هى أن يكونا مسلمين للّه وأن يجعل منهما ـ أي من إبراهيم ، وإسماعيل ـ أمة مسلمة .. وأن يبعث فيهم رسولا منهم كما يقول اللّه تعالى على لسانيهما بعد ذلك : « رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » (129 : البقرة) ..فالنبىّ - صلى الله عليه وسلم - ، هو « دعوة إبراهيم » ـ كما قال - صلى الله عليه وسلم - : « أنا دعوة إبراهيم ».. وكذلك أبناء إبراهيم من ذرية إسماعيل ، هم الأمة المسلمة ، وهم الدعوة المستجابة لإبراهيم ..
قوله تعالى : « وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ». الإشارة هنا بهذا ، إلى قوله تعالى : « هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » أي وفى هذا الاجتباء ، ورفع الحرج عنكم ، سبب لأن يكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ..
وشهادة الرسول على أمته ، هو أن يشهد بأنه بلّغ رسالته فيهم ، ودعاهم إلى الإيمان باللّه ، وإلى الاستقامة على ما شرع اللّه لهم من عبادات وأحكام ..وهو بهذه الشهادة يدين كلّ من أبى وقصّر ..
أما شهادة هذه الأمة على الناس ، فهى مثل شهادة الرسول عليهم ..
أي أنهم بمنزلة الرسول فى الناس ، يدعونهم إلى اللّه ، ويبلغونهم رسالة الإسلام ، وهم بهذه الشهادة يدينون كلّ من أبى الاستجابة لهم ، والدخول فى دين اللّه معهم ..
وهذه المنزلة التي رفع اللّه بها قدر هذه الأمة ، وأعلى بها شأنها فى الناس ، وجعل لها بها ما للرسل فى أقوامهم ـ هذه المنزلة العالية الرفيعة ، هى أمانة ، لا يحملها إلا أولو العزم من الناس ، ومن هنا كان واجبا على كل مسلم أن ينهض بحمل هذا العبء ، وأن يرى الناس منه ، فى قوله وعمله ، من استقامة الخلق ، واعتدال السلوك ما يرى الناس فى الأنبياء والرسل ..
فيا ليت قومى يعلمون هذا الشرف العظيم ، الذي قلده اللّه سبحانه وتعالى إياهم ، وهذا الواجب الكريم الذي أناطه بهم ، وهذا المقام الرفيع الذي أقامهم على الناس فيه ..!!
إن أي مسلم لا يرى ـ بعمله ، وعلمه ، وقدره فى الناس ـ أنه فى مكان القيادة من المجتمع الإنسانى ، فهو ليس من الإسلام فى شىء .. إنه لن يكون فى المسلمين الذين يشهدون على الناس يوم القيامة.