تعالى : « هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » هو تعليل للأمر بالجهاد ، وداعية إلى امتثال هذا الأمر ، لأنه صادر من اللّه الذي « اجتبى » أي اختار هذه الأمة .. واصطفاها من بين الأمم لحمل رسالة الإسلام ، آخر الرسالات ، وأكملها ، فهم لهذا مطالبون بأن يكونوا رسلا يحملون دعوة الإسلام ، وجنودا يدافعون عنها ، ويبذلون النفس والمال فى سبيلها .. إنها أمانة ، هم أهل لحملها ، إذ قد اجتباهم اللّه لها ، وخصّهم بها ..
ثم إن هذه الرسالة ـ رسالة الإسلام ـ مع ما فيها من دعوة إلى بذل النفس والمال ، بالجهاد فى سبيل اللّه ـ فإنها رسالة قائمة على الرحمة والعدل ، ليس فيها حرج ومشقة على أهلها ، إذ أن من أسسها العامة أنه « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ».. وأن كل إنسان يحمل من تكاليفها وأوامرها قدر ما يستطيع ، وفى هذا القدر تحقيق لأدنى المطلوب ..
ففى باب الجهاد مثلا ، يبدأ الجهاد بمجاهدة النفس ، وكفها عن المحرمات ، وردّها عن الأهواء والشهوات ، وهذا وإن كان الجهاد الأكبر ، كما سماه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه قريب من كل إنسان .. إنه أقرب شىء إليه ، لا يتكلّف له مالا ، ولا يبذل له نفسا .. ومع هذا فهو درجات .. يبدأ بالكف عن الكبائر ، وينتهى بالانتهاء عن اللّمم والصغائر ..
ومن الجهاد مثلا .. الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. فهو مجاهدة بالقلب وباللسان ، لا بالنفس ولا بالمال ..
وفى باب الجهاد كذلك ، رفع اللّه الحرج عن الضعفاء والمرضى ، وأصحاب العاهات ، ونحوهم ، وأعفاهم من الجهاد بأنفسهم .. « لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » (91 : التوبة) ..
وقل مثل هذا فى جميع أوامر الشريعة وأحكامها .. إنها شريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج ، وفى هذا يقول اللّه تعالى : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » (16 : التغابن) أي فى حدود ما تحتمل أنفسكم ، وما تتسع له طاقاتكم ..
وفى الحديث الشريف : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ».. وفى الحديث أيضا : « إن هذا الدين ذلول لا يركب إلا ذلولا » أي إن هذا الدين سمح سهل ، لا ينتفع به إلا إذا أخذ سمحا سهلا ، تتقبله النفوس ، وتنشرح له الصدور .. شأنه فى هذا شأن الطعام ، لا يفيد منه الجسم ، إلا إذا طابت له النفس ، واشتهته ، واستساغت طعمه ، واستطابت مضغه وبلعه ..وفى الحديث أيضا : « لا تبغّض إلى نفسك عبادة اللّه » وذلك بالقسوة عليها ، وبحملها على ما هو شاق ، وبين يديها القريب الميسور! وفى الحديث : « ما خيّر الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه بين أمرين ، إلا اختار أيسرهما »..