تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقولها: «كأنه علمٌ» وافٍ بالمقصودِ، لكنها أعقبتُه بقولها « في رأسهِ نارٌ» لزيادةِ المبالغةِ، ونحو قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة/212]).

(8)- التَّذْييلُ، وهوَ تَعقيبُ الجملِ بجمْلَةٍ أخْرَى تَشْتَمِلُ على مَعْنَاهَا تَوْكيدًا لها ، تأكيداً لمنطوق الأولى، أو لمفهومِها ، نحو قوله تعالى : (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء/81]).

ونحو قوله تعالى :﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (17) سورة سبأ

والتَّذييلُ قسمانِ: قسمٌ يستقلُّ بمعناهُ، لجريانهِ مجرى المثلِ، وقسمٌ لا يستقلُّ بمعناه، لعدم جريانه مجرَى المثلِ، فالأولُ الجاري مجرَى الأمثال، لاستقلالِ معناهُ، واستغنائهِ عما قبلَه كقولِ طرفةَ (1):

كُلُّ خَلِيلٍ كنتُ خالَلْتُه ... لا تَرَكَ اللهُ لهُ واضِحَهْ

كلُّهُمُ أَرْوَغُ منْ ثَعْلَبٍ ... ما أَشْبَهَ الليلةَ بالبارِحَه

والثاني غيْرُ جَارٍ مجرَى المَثَل إن لَم يَسْتَغن عَما قَبلَهُ ، ولعدمِ استقلالهِ بإفادة المعنَى المراد، كقول النّابغة (2):

لم يبقِ جودُكَ لي شيئاً أؤملُه ... تركتني أصحبُ الدنيا بلا أملِِ

فالشطر الثاني مؤكدٌ للأولِ، وليسَ مستقلاً عنه، فلم يجرِ مجرَى المثلِ.

(9)- الاحتراسُ، وَيَكُونُ حِيَنما يأتي المتكلمُ بمَعْنى يُمكِنُ أنْ يَدخلَ عَلَيْهِ فيه لَوْمٌ، فَيَفْطِنُ لذلكَ ويأتي بما يُخَلِّصُهُ منْهُ ، ويقالُ له التكميلُ ، سواءٌ أوقعَ الاحتراسُ في وسطِ الكلامِ،كقول طرَفةَ بن العبد (3):

فسَقَى دِيَارَك غَيْرَ مُفْسِدِهَا ... صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي

فقوله غيرَ مفسدِها: للاحتراسِ .

أو وقعَ الاحتراسُ في آخرهِ، نحو قوله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) [الإنسان/8] أي: معَ حبِّ الطعامِ واشتهائهِم لهُ، وذلكَ أبلغُ في الكرمِ، فلفظُ على حبِّهِ فضلةُ للاحتراسِ ولزيادةِ التحسينِ في المعنَى، وكقولِ أعرابيةٍ لرجلٍ : (أذلَّ اللهُ كلَّ عدوٍّ لكَ إلا نفسَكَ).

(10) - التَّتميمُ(4) :وهو زيادةُ فضلةِ، كمفعولٍ أو حالٍ أو تمييزٍ أو جارٍ ومجرورٍ، توجِدُ في المعنَى حُسناً بحيثُ لو حذفتْ صارَ الكلامُ مبتذلاً كقول ابن المعتزِّ يصف فرساً (5):

صَبَبْنَا علَيْهَا ظَالِمِينَ سِيَاطَنَا ... فطَارَتْ بها أَيْدٍ سِرَاعٌ وأَرجُلُ

إذ لو حذفَ (ظالمينَ) لكانَ الكلامُ مُبتذلاً، لا رقَّةَ فيهِ ولا طلاوةَ، وتوهَّم أنها بليدةٌ تستحقُّ الضربَ، ويُستحسنُ الإطنابُ في الصلحِ بين العشائرِ، والمدحِ، والثناءِ، والذّمِ والهجاءِ، والوعظِ، والإرشادِ، والخطابةِ في أمرٍ من الأمورِ العامةِ، والتهنئةِ ومنشوراتِ الحكومةِ إلى الأمةِ، وكتبِ الولاةِ إلى الملوكِ، لإخبارهِم بما يحدثُ لديهم من مَهامِّ الأمورِ، وهناكَ أنواعٌ أخرى من الإطنابِ، كما تقولُ في الشيءِ المستبعدِ: رأيتُهُ بعيني، وسمعتُهُ بأذني، وذقتُه بفمي، تقولُ ذلك لتأكيدِ المعنَى وتقريرِه،وكقوله تعالى :(فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ) [النحل/26]، والسقف ُلا يخرُّ طبعاً إلا من فوقِ، ولكنهُ دلَّ بقولهِ (منْ فوقهِم) على الإحاطةِ والشمولِ

واعلمْ أنِّ الأطنابَ أرجحُ عندَ بعضهِم منَ الإيجازِ، وحُجَتُه في ذلك أنَّ المنطقَ إنما هو البيانُ، والبيانُ لا يكونُ إلا بالإشباعِ، والإشباعُ لا يقعُ إلا بالإقناعِ، وأفضلُ الكلامِ أبينُهُ، وأبينُهُ أشدُّه ُإحاطةً بالمعاني ، ولا يحاطُ بالمعاني إحاطةً تامةً،إلا بالاستقصاءِ والإطنابِ.

(1) - فصل المقال في شرح كتاب الأمثال - (ج 1 / ص 227) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 33) وجمهرة الأمثال - (ج 1 / ص 16)والشعر والشعراء - (ج 1 / ص 34) وحياة الحيوان الكبرى - (ج 1 / ص 173)وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 8 / ص 311)والصحاح في اللغة - (ج 2 / ص 283)

(2) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 3 / ص 411) والبديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 51) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 266) وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 77) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 289) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 321) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 309) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 76 / ص 1) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 65)

(3) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 4 / ص 207) والبديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 10) ونقد الشعر - (ج 1 / ص 24)والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 101) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 126) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 450)وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 94)والبيان والتبيين - (ج 1 / ص 69)وتاج العروس - (ج 1 / ص 669)

(4) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 10) والبديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 10)والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 126و127 و132)وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 12و42) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 310) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 68) وكتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 454)

(5) - العمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 127) والأنوار ومحاسن الأشعار - (ج 1 / ص 54) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 94)وتحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر - (ج 1 / ص 60و101 و102) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 311) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 269) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 12 / ص 186)

الخلاصة في علوم البلاغة · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في علوم البلاغةص ٢٦