تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البابُ الأولُ

المدخلُ إلى علم البلاغة

*-علمُ البلاغةِ :

إنَّ الأساس الذي بنيتْ عليه البلاغةُ هو أولاً دراسة القرآن الكريم في التعبير ،ومقابلتِها بأساليب البلغاءِ وكذلك السُّنة النبوية ثانيا لتوضيح كلامِ أبلغِ الخلق صلى الله عليه وسلم ، ثم انتقلتْ للكلام عن بلاغة الشِّعر خاصةً والنثر ِعامةً في كلام العربِ الأقحاحِ (2).

*-أساسُ علم البلاغة :

يقومُ علم البلاغة على أساسين هما :

- الذوقُ الفطريُّ الذي هو المرجعُ الأول في الحكم على الفنون الأدبية ، فيجدُ القارئُ أو السامع في بعض الأساليب من جرسِ الكلمات وحلاوتها ، والتئام التراكيب وحسنِ رصفها - وقوةِ المعاني وسموِّ الخيالِ ما لايجدُ في بعضها الآخر ، فيفضلُ الأولى على الثانية .

- البصيرةُ النفَّاذةُ ، والعقلُ القادر على المفاضلة والموازنة والتعليلِ ،وصحةِ المقدمات ، لتبنَى عليها أحكامٌ يطمئنُ العقل إلى جدارتِها ، ويسلِّمُ بصحَّتِها

*-نشأة ُعلمِ البلاغة :

هناكُ اختلافٌ كبير في هذا الصدد؛ فمنهم من يقولُ: واضعُ علم البلاغة هو الجاحظُ وخاصة في كتابه القيِّمِ البيانُ والتبيينُ ، وقيل: هو الجرجاني المتوفى 471هـ بكتابيه دلائل الإعجازِ وأساس البلاغة

وقيل: هو ابن المعتزِّ المتوفى 296هـ بكتابه البديع ، وقيل: السكاكيُّ بكتابه المفتاح ...

*-الغايةُ منَ البلاغة:

تأديةُ المعنى الجميل واضحاً بعبارةٍ صحيحة فصيحة ٍ،لها في النفس أثرٌ ساحر ٌ،مع ملائمة كلِّ كلامٍ للموطنِ الذي يقال فيه ، والأشخاصُ الذين يُخاطَبون .

*-عناصرُ البلاغةِ :

هي لفظٌ ومعنًى ، وتأليفٌ للألفاظ يمنحُها قوةً وتأثيراً وحسناً ، ثم دقةٌ في اختيار الكلمات والأساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه ،و موضوعاته ،وحال السامعين ، والنزعةِ النفسية التي تتملكهم ،و تسيطرُ على نفوسهم .

*-الهدفُ من دراسة البلاغة :

هدفٌ دينيٌّ ؛ يتمثل في تذوق بلاغةِ القرآن الكريم والوقوف على أسرارِ ها، وتذوقِ بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم واقتفاءِ أثره فيها.

هدفٌ نقديٌّ أو بلاغيٌّ ؛ يتمثلُ في التمييز بين الجيد والرديء من كلام العرب شعراً ونثراً .

هدفٌ أدبيٌّ ؛ يتمثل في التدريب على صناعةِ الأدب،وتأليف الجيد من الشعر والنثر

*-أقسامُ علمِ البلاغةِ :

ينقسمُ علمُ البلاغة إلى ثلاثة أقسامٍ :

علمُ المعاني : وهو علمٌ يعرَفُ به أحوال اللفظ العربيِّ التي بها يطابقُ مقتضَى الحال

علمُ البيان : وهو علمٌ يعرَف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ٍفي وضوحِ الدلالة عليه

علمُ البديع : وهو علمٌ يعرَف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعايةِ تطبيقه على مقتضَى الحال ووضوحِ الدلالة .

(1) - "لا أصل له" قاله الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (5/11)

(2) - يعني :الأصلاء

**************

### || الفصلُ الأولُ- الفصاحةُ

*-تعريفُها: لغةً :البيانُ والظهورُ ،قال الله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ...﴾ (34) سورة القصص، أي أبينُ منِّي منطقاً وأظهرُ منَّي قولاً(1).

والفصاحةُ في اصطلاحِ أهل المعاني: عبارةٌ عن الألفاظِ البيِّنةِ الظاهرةِ, المتبادرةِ إلى الفهم, والمأنوسةِ الاستعمال بين الكتَّابِ والشّعراء لمكانِ حُسنها.

فالفصاحةُ تشملُ الكلمةَ ، والكلامَ ، والمتكلِّمَ ، فيقالُ : كلمةٌ فصيحةٌ ، وكلامٌ فصيحٌ ، ومتكلمٌ فصيحٌ .

### || *- فصاحةُ الكلمة ِ:

تكون الكلمةُ فصيحةً إذا كانت مألوفة َالاستعمال بين النابهينَ من الكتَّابِ والشعراء، لأنها لم تتداولْها ألسنتهُم ولم تجرِ بها أقلامُهم إلا لمكانتِها من الحُسن باستكمالها عناصر َالجودةِ ، وصفاتِ الجمالِ .

*-شروطُ فصاحةِ الكلمة :

يجبُ أن تكون الكلمةُ سالمةً من عيوبٍ ثلاثة ٍ:

تنافرُ الحروفِ

الغرابة ُ

مخالفةُ الوضعِ

*- تنافرُ الحروفِ :

فهو ثقلُ الكلمة عند وقعِها على السمعِ وصعوبةُ أدائها باللسانِ ، نحو كالظشِّ (للموضع الخشن)(2) ونحو: سَلِجَ ( سَلِجَ اللُقْمة بالكسر، يَسْلَجُها سَلْجَاً وسَلَجاناً، أي بَلِعها)(3) ،و كالنقنقة « لصوتِ الضفادعِ»(4) ونحو: مستشزراتٌ « بمعنى مرتفعاتٍ»(5) من قول امرئ القيس يصف شَعر ابنة عمه:

غَدائِرُه مُسْتَشْزَرَاتٌ إِلى العُلاَ ... تَضِلُّ العِقَاصُ في مُثَنىً ومُرْسَلِ

فقد وَصَفها بكَثْرة الشَّعرِ والْتِفَافِه

*-الغرابةُ :

هي كونُ الكلمة غيرَ ظاهرةِ الدلالة على المعنى الموضوعِ له ، وذلك لسببين :

أحدهُما أنَّ الكلمة غيرُ متداولةٍ في لغة العربِ ، فيحتاجُ لمعرفةِ معناها الرجوعُ إلى المعاجم والقواميس

مثالُ ذلك قولُ عيسى بن عمرو النَّحوي وقد سقطَ عن دابته فالتفَّ حوله الناسُ فقال :

ما لَكُمْ تَكَأْكَأْتُم عليَّ تكَأْكُؤَكُم على ذِي جِنَّةٍ ؟ افْرَنْقِعُوا عنّي

فكلمة ُ(تكاكأتم ) وكلمة (افرنقعوا) غريبتان ، أي مالكم اجتَمَعْتم تنَحُّوا عنِّي (6)

والثاني -عدمُ تداول الكلمة في لغة العربِ الشائعة ، «كمسّرج» من قول رؤبة بن العجاج:

ومقلةً وحاجباً مزججا وفاحِماً ومَرْسِناً مُسَرَّجَا(7)

فلا يعلمُ ما أرادَ بقوله « مسرَّجا» حتى اختلف أئمة اللغة في تخريجه.

*- مخالفة ُالوضعِ :

هو كونُ الكلمة ِ مخالفةً لما ثبتَ معناهُ عند علماء اللغة مثل (الأجلل) في قول أبي النجم (8):

الحَمْدُ لِلّهِ العَلِيُّ الأَجْلَلِ الواحد الفرد القديم الأوَّل

فإن القياس (الأجلِّ) بالإدغام، و لا مسوّغ لفكّه ،فهو يريدُ الأَجَلّ وأظْهَر التضعيف ضَرورةً (9)

================

### || فصاحةُ الكلامِ(10)

تكونُ فصاحةُ الكلامِ بسلامتهِ من عيوبٍ ثلاثة ٍهي :

تنافرُ الكلماتِ

ضَعفُ التأليفِ

التعقيدُ

الأولُ - « تنافُر الكلمات» :

فلا يكونُ اتصالُ بعضها ببعض مما يسببُ ثقلها على السمعِ ، وصعوبةَ أدائها باللسان ، (وإن كانَ كلُّ جزءٍ منها على انفراده فصيحاً) كالشطرِ الثاني في قول الشاعر:

وَقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرٍ وَليس قَربَ قبرِ حربٍ قبرُ (11)

و كالشطرِ الأولِ في قول أبي تمَّام:

__________

(1) - انظر الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3264)

(2) تاج العروس - (ج 1 / ص 4294)

(3) - . وقولهم: الأكل سَلَجانٌ والقضاء لَيَّانُ أي إذا أَخَذَ الرجلُ الدَيْنَ أكله، فإذا أراد صاحب الدين حقَّه لواه به. والسُلَّجُ، بالضم والتشديد: نبتٌ ترعاه الإبل. وقد سَلَجَتِ الإبل بالفتح تَسْلُجُ بالضم، إذا اسْتَطْلَقَتْ بطونُها عن أكل السُلَّجِ.الصحاح في اللغة - (ج 1 / ص 324)

(4) - ( نقق ) نَقَّ الظَّليمُ والدجاجةُ والحَجَلةُ والرَّخَمةُ والضَّفادع والعقرب تَنِقُّ نَقيقاً ونَقْنَقَ صوَّت لسان العرب - (ج 10 / ص 360)

(5) - فلفظة " مستشزرات " مما يقبح استعمالها لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها، وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا " مستنكرات " أو " مستنفرات " على وزن " مستشزرات " لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة.المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 66)

(6) - تاج العروس - (ج 1 / ص 197) ولسان العرب - (ج 1 / ص 136) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 1)

(7) - صبح الأعشى - (ج 1 / ص 271) وجمهرة اللغة - (ج 1 / ص 224) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 5) ومسرجاً: مختلفٌ في تخريجه، فقيل: من سرجه تسريجاً يهجه وحسنه، وقيل: من قولهم سيوف سريجية منسوبة إلى قين يقال له سريج، شبه بها الأنف في الدقة والاستواء، وقيل: من السراج وهو قريب من قولهم سرِج وجهه، بكسر الراء، أي حَسُنَ. والزَّجَجُ: دقة الحاجبين.

والمعنى: أن لهذه المرأة الموصوفة مقلة سوداء، وحاجباً مدققاً مقوسلاً، وشعراً أسودا، وأنفاً كالسيف السريجي في دقته واستوائه، أو كالسراج في بريقه وضيائه.

(8) - خزانة الأدب - (ج 1 / ص 287) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 288) وصبح الأعشى - (ج 1 / ص 288) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 1) والصحاح في اللغة - (ج 1 / ص 98) والخصائص - (ج 1 / ص 205)

(9) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 1)وتاج العروس - (ج 1 / ص 6943) ولسان العرب - (ج 11 / ص 116)

(10) - انظر الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 1-2) و كتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (ج 1 / ص 350)

(11) - محاضرات الأدباء - (ج 2 / ص 104) وسر الفصاحة - (ج 1 / ص 33) والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر - (ج 1 / ص 105)والبيان والتبيين - (ج 1 / ص 20) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 1)

الخلاصة في علوم البلاغة · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في علوم البلاغةص ٢