الفصل الثالثُ- في التعريفِ
*-تعريفُ المسنَدِ إليهِ:
حقُّهُ أن يكونَ معرفةً، لأنهُ المحكومُ عليه الذي ينبغي أن يكونَ معلوماً، ليكونَ الحكمُ مفيداً.
وتعريفُه إمّا: بالإضمارِ، وإمّا بالعلَميةِ، وإمَّا بالإشارةِ، وإمّا بالموصوليةِ، وإمّا بأل، وإمّا بالإضافةِ، وإمّا بالنداءِ.
أمَّا تعريفُ المسنَدِ إليهِ بالإضمارِ فهو لأغراضٍ أهمُّها(1):
1- كونُ الحديثِ في مقامِ التكلِّم، كقولِ الشاعر (2) :
أَنَا ابنُ دَارَةَ، مَعْروفاً بها نَسَبي.... وَهَلْ بِدارَةَ، يا للنَّاسِ مِنْ عارٍ
2- أو في مقامِ الخطابِ، كقوله: (وأنتَ الذي في رحمةِ اللهِ تطمعُ...).
3- أو في مقامِ الغيبةِ، كقوله تعالى: ﴿.. هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ .. ﴾ (23) سورة الحشر.
ولا بدَّ من تقدُّم ِذكرِ مرجعِ الضميرِ وذلك:
1- إمّا لفظاً، كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف/87])
2- وإمّا معنىً، كقوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )[المائدة/8]) . أي العدلُ المفهوم من قوله: (اعدلوا).
3- وإمّا حُكماً، كقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء/11]) أي أبوي الميّتِ، المفهومِ من السياق.
ثمَّ إنَّ الأصلَ في الخطابِ أن يكونَ لمعيّنٍ مشاهَدٍ،وقد يأتي لغيرِ المعيَّنِ إذا قصِدُ التعميمُ، كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ (12) سورة السجدة.
كما أنهُ قد يأتي لغيرِ المشاهَدِ، إذا نُزِّل منزلتهُ، نحو قوله تعالى : ﴿..فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (87) سورة الأنبياء، لكونِ اللهِ تعالى معَ كلِّ أحدٍ بعلمه وقدرته وهيمنتهِ.
==============
تعريفُ المسنَدِ إليه بالعلَميَّةِ (3):
يُؤتى بالمسندِ إليه علَماً: لإحضارِ معناهُ في ذهنِ السَّامعِ، ابتداءً باسمهِ الخاصِّ لِيمتازَ عمَّا عداهُ،قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) [البقرة/257] . وكقوله تعالى : كقوله تعالى: (وإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْت وإسماعيلُ) [البقرة: 127].
وقد يعرَضُ له إضافةً إلى امتيازهِ وجهٌ مرجِّحٌ آخر، وأهمُّ الوجوهِ:
1 - المدح، فيما إذا كان الاسمُ مشعراً بذلك، قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) [الفتح/29] .و نحو: جاءَ نصرٌ .
2 -الذمُّ والإهانةُ، قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) [إبراهيم/22]. ونحو : ذهبَ تأبَّطَ شرّاً.
3 ـ التبرّكُ بذكرهِ، كقوله: (فليحكمِ القرآنُ في أبنائنا).و نحو: اللهُ أكرمني، في جوابِ: هلْ أكرمكَ اللهُ؟
4 - التلذّذُ باسمهِ، كقول مجنون ليلى(4):
بِاللّهِ يا ظَبَياتِ القَاعِ قُلْن لنا ... لَيْلايَ مِنكنَّ أَم لَيلَى من البَشَرِ
5- التَّفاؤلُ، نحو: جاءَ سُرورٌ.
6- التشاؤمُ، نحو: حربٌ في البلدِ.
7- الكنايةُ عن معنى يَصْلحُ العلمُ لذلك المعنَى، بحسبِ معناهُ الأصليِّ قبل العلميَّة، نحو: أبو لهبٍ فعلَ كذا،.كِنايةً عن كونهِ جَهنَّمِيّاً.لأن اللهَبَ الحقيقيَّ هو لَهبُ جهنَّم، فيصحُّ أن يُلاحظَ فيه ذلكَ
8 -التسجيلُ على السامعِ لئلا ينكرَ، كقوله: (أفهلْ علمتَ بأنَّ أحمدَ قد أتى)؟
9 - طلبُ الإقرارِ بصريحِ الاسمِ، كقوله: ( قلْ: هل دريتَ بأنَّ يوسفَ حاكمٌ)؟
===============
وأمَّا تعريفُ المسنَدِ إليه باسمِ الإشارةِ فهو لأمورٍ(5):
1 - أنْ لا يكونَ طريقٌ لإحضارهِ إلا باسمِ الإشارةِ، لجهلِ السامعِ باسمهِ وبصفاتهِ، كقوله: (جاءني هذا) مشيراً إلى زيدٍ، حيثُ لا يمكنُك إحضارُه باسمهِ أو صفتهِ في ذهنِ المخاطبِ.
2 - بيانُ حالهِ في القربِ، قالَ تعالى: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )[يس/63].
3-بيانُ حالهِ في البعدِ، قالَ تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (42) سورة ق.
وكثيراً ما يُشَارُ إلى القريبِ غير الْمُشَاهَدِ بإشارةِ البعيدِ، تنزيلاً للبُعدِ عن العيانِ، منزلةَ البعدِ عن المكانِ، نحو: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطع عَلَيْهِ صَبْراً) [الكهف: 82].
4 - تعظيمُهُ بالقربِ، قالَ تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [الإسراء/9].
(1) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 2) و جواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 7)
(2) - خزانة الأدب - (ج 1 / ص 162و 396و397) ولسان العرب - (ج 4 / ص 268) والكتاب - (ج 1 / ص 107) والخصائص - (ج 1 / ص 256) والتنبيهات على أغاليط الرواة - (ج 1 / ص 5) وهمع الهوامع فى شرح جمع الجوامع ـللإمام السيوطى - (ج 2 / ص 202) وموسوعة النحو والإعراب - (ج 1 / ص 77) وعلم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 2)
(3) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 2)
(4) - البديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 20) والعمدة في محاسن الشعر وآدابه - (ج 1 / ص 131) وخزانة الأدب - (ج 1 / ص 34) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 303)وتاج العروس - (ج 1 / ص 1761) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 120) وجواهر البلاغة للهاشمي - (ج 1 / ص 6) وموسوعة النحو والإعراب - (ج 1 / ص 28)
(5) - علم البلاغة الشيرازي - (ج 1 / ص 2)