المبحث الحادي عشر- سقوط الاجتهاد مع وجود النص(1)
قال الخطيب البغدادي : " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ , قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ , فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : " الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِذَا رَأَى أَحَدُنَا رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ , يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : " الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ " , فَقَالَ هِلَالٌ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ , إِنِّي لَصَادِقٌ , وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ فِي أَمْرِي مَا يُبْرِئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ , فَنَزَلَتْ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ قَرَأَ حَتَّى بَلَغَ مِنَ الصَّادِقِينَ , فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا , فَجَاءَا , فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ , فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : " اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ , فَهَلْ مِنكُمَا مِن تَائِبٍ ؟ " , ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ , فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ , أَنَّ غَضِبَ اللَّهِ عَلَيْهَا , إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ , وَقَالُوا لَهَا : إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ , فَقَالَتْ : لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ , فَمَضَتْ , فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : " أَبْصِرُوهَا , فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ , سَابِغَ الْإِلْيَتَيْنِ , خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ " , فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ , فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : " لَوْلَا مَا مَضَى مِن كِتَابِ اللَّهِ , لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ " قُلْتُ : عَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا مَضَى مِن كِتَابِ اللَّهِ قَوْلَهُ : وَيَدْرَأُ عَنهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشَهْدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ , وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِمُشَابَهَةِ وَلَدِهَا الرَّجُلَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ",(2)
وعَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ , عَن أَبِيهِ , قَالَ : أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى شَيْخٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ كَانَ يَسْكُنُ دَارَنَا , فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى عُمَرَ , فَسَأَلَهُ عَن وِلَادٍ مِن وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ , فَقَالَ : أَمَّا الْفِرَاشُ فَلِفُلَانٍ , وَأَمَّا النُّطْفَةُ فَلِفُلَانٍ , فَقَالَ عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ الْخَطَّابِ - : " صَدَقْتَ , وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالْفِرَاشِ "(3)
وقَالَ مَخْلَدُ بْنُ خُفَافٍ: ابْتَعْتُ غُلَامًا , فَاسْتَغْلَلْتُهُ , ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنهُ عَلَيَّ عَيْبٌ , فَخَاصَمْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , فَقَضَى لِي بِرَدِّهِ , وَقَضَى عَلَيَّ بِرَدِّ غَلَّتِهِ , فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرْتُهُ , فَقَالَ أَرُوحُ إِلَيْهِ الْعَشِيَّةَ فَأُخْبِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ " , فَعُجِّلْتُ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ مَا أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ , عَن عَائِشَةَ , عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ عُمَرُ : فَمَا أَيْسَرَ عَلَيَّ مِن قَضَاءٍ قَضَيْتُهُ , اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُرِدْ فِيهِ إِلَّا الْحَقَّ , فَبَلَغَتْنِي فِيهِ سَنَةٌ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَأَرُدُّ قَضَاءَ عُمَرَ , وَأُنَفِّذُ سَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَاحَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ , فَقَضَى لِي أَنْ آخُذَ الْخَرَاجَ مِنَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيَّ لَهُ"(4)
وعَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , قَالَ : " قَضَى سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى رَجُلٍ بِقَضِيَّةٍ بِرَأْيِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , فَأَخْبَرْتُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِخِلَافِ مَا قَضَى بِهِ , فَقَالَ سَعْدٌ لِرَبِيعَةَ : هَذَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ يُخْبِرُنِي عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِخِلَافِ مَا قَضَيْتُ بِهِ , فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ : قَدِ اجْتَهَدْتَ وَمَضَى حُكْمُكَ , فَقَالَ سَعْدٌ : وَاعَجَبًا أُنْفِذُ قَضَاءَ سَعْدِ ابْنِ أُمِّ سَعْدٍ , وَأَرُدُّ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ بَلْ أَرُدُّ قَضَاءَ سَعْدِ ابْنِ أُمِّ سَعْدٍ , وَأُنْفِذُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَدَعَا سَعْدٌ بِكِتَابِ الْقَضِيَّةِ , فَشَقَّهُ وَقَضَى لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ"
وعَن هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ : أَنَّ رَجُلًا , مِن ثَقِيفٍ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ عَنِ امْرَأَةٍ حَاضَتْ وَقَدْ كَانَتْ زَارَتِ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ : أَلَهَا أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : " لَا " فَقَالَ لَهُ الثَّقَفِيُّ : فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَفْتَانِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَا أَفْتَيْتَ قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَضْرِبُهُ بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ : " لِمَ تَسْتَفْتِنِي فِي شَيْءٍ قَدْ أَفْتَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - "
وعَن عَتَّابِ بْنِ مَنصُورٍ , قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : " لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - "
وعَن حَمَّادٍ , قَالَ : كُنْتُ أَسْأَلُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الشَّيْءِ , اهْتَمُّ بِهِ قَالَ : فَيَقِيسُهُ لِي , وَيَجِيءُ الشَّيْءُ فَلَا أَعْرِفُهُ , فَيَقُولُ : " لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَجِيءُ الْقِيَاسُ " قُلْتُ : وَهَذَا صَحِيحٌ , مِثَالُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : قَضَى فِي الْجَنِينِ يُجْنَي عَلَى أُمِّهِ فَتُسْقِطُهُ مَيِّتًا , أَنَّ فِيهِ غُرَّةٌ قَوَّمَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ : خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ , وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى , وَلَوْ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ أُمُّهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ نُظِرَ , فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا جُعِلَ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ , وَإِنْ كَانَ أُنْثَى جُعِلَ فِيهِ خَمْسُونَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْجَنِينِ غَيْرُهُ ".
وقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ سَلَمَةَ , يَقُولُ لِأَبِي حَنِيفَةَ : " إِنَّمَا نَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِكَ , إِذَا لَمْ نَجِدْ أَثَرًا , فَإِذَا وَجَدْنَا أَثَرًا ضَرَبْنَا بِقَوْلِكَ الْحَائِطَ " قُلْتُ : وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي عَيْبِ الْقِيَاسِ قَوْلًا , يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقِيَاسَ الْمُخَالِفَ لِلنَّصِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وعَن وَكِيعٍ , قَالَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِن بَعْضِ الْقِيَاسِ "
وقَالَ سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ لِيَحْيَى بْنَ صَالِحٍ الْوحَاظِيِّ : يَا أَبَا زَكَرِيَّا احْذَرِ الرَّأْيَ , فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ , يَقُولُ : " الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِن بَعْضِ قِيَاسِهِمْ " (صحيح)
وعَن زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ , قَالَ : " إِنَّمَا نَأْخُذُ بِالرَّأْيِ مَا لَمْ يَجِئِ الْأَثَرُ , فَإِذَا جَاءَ الْأَثَرُ تَرَكْنَا الرَّأْيَ , وَأَخَذْنَا بِالْأَثَرِ "
ــــــــــــــــ
(1) - الفقيه والمتفقه - (ج 1 / ص 504)-باب في سقوط الاجتهاد مع وجود النص(543-553) ومجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 837) و(ج 2 / ص 11311)
(2) - صحيح البخارى (4747 ) -الخدلج : ممتلئ الساقين -السابغ : العظيم
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 402)(15722) صحيح
(4) - معرفة السنن والآثار للبيهقي (12 ) صحيح لغيره