-محنة السرهندي-
تولى حكم الهند سنة 963هـ رجل من ملوك المغول من أحفاد تيمور، يدعى جلال الدين أكبر، وما أن تربع على كرسيه، حتى سام مسلمي الهند سوء العذاب، اضطهد علماءهم، وآذى رجالهم، وضيق على عامتهم قتلاً وتشريداً واعتقالاً، وعاث في البلاد الفساد؛ هذا حاله مع المسلمين، أما مع الإسلام، فقد أعلن الحرب عليه، حرباً شعواء لا هوادة فيها، مبتدئاً فسخ نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مدعياً بأن عصر النبوءة قد انتهى إلى هذا الألف من الأعوام: وبدأ عصر الألف الثاني، بإمامته العظمى، وأنه صاحب الكلمة، لا يعصى في أمر، ولا يرد له حكم، حسب (المحضر) الموقع عليه من رجالات الهند، ومن العلماء الذين زلت بهم القدم في هذه (الفتنة الأكبرية) ومن خالف أمره، وأعرض عن حكمه، كان السجن المؤبد، أو القتل الزؤام جزاءه وعقابه، فحرم ذبح البقر وكتابة التاريخ الهجري، كما حرم تسمية رجالات قصره وأعوان حكمه بأسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وأباح ذلك لعبيده وخدمه، تحقيراً وامتهاناً للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
وحلل الخمر والقمار والخنزير والزواج من بنات الهندوك الوثنيين، ثم لم يكتف بهذا الكفر الصريح، بل شرّع ديانة جديدة، وابتكر طقوساً وشعائر متعبداً وآمراَ بها.
فكانت صلاته على طريقة براهمة الهند، مولياً وجهه شطر الشمس، ومثل هذا الكفر والزيغ والإلحاد كثير وكثير .. حتى وقعت الأمة الإسلامية بهذا القطر العزيز، بمحن ونكبات ومصائب جمة يتشقق منها القلب ويضيق عنها نطاق النطق، وألحقها من الاضطهاد ما لم تره البشرية في تاريخها، إلا في عهد التتار والمغول.
في هذا الواقع الأليم، الذي يعج بالكفر والإلحاد والاضطهاد، عاش الشيخ أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي رحمه الله تعالى (1).
ورأى تلك الحالة وهو في زهرة شبابه، ولمس هذا الشهر المستطير، وهو في مرحلة طلبه للعلم.
وما أن تخرج عالماً، أصبح في عداد المشائخ: الذين يتأثر الناس بكلامهم ويستمعون إلى إرشادهم، عرضت له أسنى المناصب في هذه الدولة، فرفضها بإباء وشمم، لأنها خسة ومهانة. وما كان لمثله أن يشارك في تثبيت هذه الدولة الكافرة، ويوطد أركان حكمها الفاسد، وإنما دعوته –دعوة الإسلام- بجرأة وشجاعة، إنه يريد تقويم حكام هذه الدولة، والقضاء على الدولة وإزاحتها من الوجود، لتحل محلها دولة الإسلام، تحفظ الشرع، وتقيم الحدود، ويرعى أبناء الأمة على أساسه، لا يرضى بذلك بديلاً، ولا يقبل عن الإسلام تحويلاً. ولقد تم له ما أراد –الحمد لله- وحقق ما عزم عليه، مستلهماً التوفيق من الله وطالباً النصر منه: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (2).
ولكن هل يحصل له ما يريد؟ وهل يحقق ما عزم عليه، دون محنة واضطهاد؟ فلننتظر ..
استمر الشيخ رحمه الله تعالى، بدعوته التي أوقف نفسه عليها، وهكذا شأن العلماء الرجال، فأخذ يجمع الناس على ما عزم عليه، فاستجاب له خلق كثير، فكثر أتباعه ومريدوه، فازداد، رحمة الله عليه، همة ونشاطاً، لا يعرف السأم والملل، وفي تلك الأثناء، هلك هذا الطاغية الجبار الملحد سنة 1014هـ وانتهت بهلاكه فكرة الإمامة العظمى المزعومة، وخلفه ابنه جهان كير.
أما الشيخ فانتبه للأمر، وأخذ له عدة، واتخذ من إصلاح الحاكم الجديد، نقطة ابتداء، فبصلاح الحاكم وصلاح العلماء من أمثال شيخنا الكريم، تصلح البلاد، ويصلح الناس، وتلك نظرة مقررة في الشرع، ولذلك قال رحمه الله:
(1) [ولد رحمه الله سنة 971هـ، اقرأ ترجمته في نزهة الخواطر، طبع دائرة المعارف، حيدر أباد].
(2) آية 47 من سورة الروم.