تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-محنة أبي حنيفة النعمان-

خذ العفو وأمر بالمعروف وتغافل عما لا

يعنيك وبادر في إقامة الحقوق.

-أبو حنيفة-

كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، غير راض على سياسة أبي جعفر المنصور بشكل عام، وخصوصاً قسوته وشدته مع خصومه، وخصوم آبائه العباسيين، وكانت المخاصمة شديدة والقسوة عنيفة مع العلويين، ومن يظهر التودد إليهم أو الترحم عليهم.

والإمام أبو حنيفة كغيره من أئمة المسلمين وأجلاء العلماء، يحبون العلويين ولهم مكانة طيبة في قلوبهم.

ثم إن الإمام رحمه الله تعالى جريء في فتاواه، صريح في أجوبته، شديد في محاسبته لأبي جعفر، كثير النقد لأحكام قضاته، وتصرفات ولاته، تمثلت به رجولة العالِم وشجاعة المؤمن، وصلابة الفقيه المتمسك بأحكام الشرع، لا يعرف نفاقاً ولا يسلك طريقاً منحرفاً في دعوته، ولا يهاب سطوة سلطان ولا يخشى قوة حاكم في قولة الحق، والمنصور أبو جعفر عرف هوى الإمام وأدرك نزعته السياسية والروحية، وتلك نزعة لم تنل رضاه، وهوى يغضبه وسلوك لا يريده، ولكن .. ماذا يفعل مع رجل عالم أوتي لساناً صادقاً وتأثيراً روحياً دفاقاً، يعمل ما لا يعمل الحسام.

لأن ألسنة العلماء وهي غضاب تعمل ما لا تعمل السيوف العضاب. ثم في أي درب يسير عليه المنصور مع إمام أحبه الناس وملك قلوبهم. فمنه تؤخذ الفتوى وبه يقتدى. لسلامة قلبه وحسن سيرته وسعة علمه، ومزيد تقواه، وكلما تقرب منه شبراً ابتعد عنه الإمام ذراعاً ملتمساً بذلك إسكاته أو جره إلى صفوفه فكان قرباً لم يرد به وجه الله تعالى والدار الآخرة.

لذلك فليس من السهولة والحالة هذه أن ينزل بإمامنا محنة أو يوقع به أذى. دون أن يلتمس المبررات التافهة، والذرائع الباطلة لتكون سبباً ظاهرياً لها. فعل ذلك في الوقت الذي عجز أن يؤاخذ إمامنا الجليل على مولاته لآل سيدنا علي رضي الله عنهم تلك التي نعتقد أنها السبب الخفي المباشر لمحنته.

ولا حير في هذه المولاة بل هي مما دعا إليها الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام.

فلا حق لحاكم مثل أبي جعفر أن يؤاخذ أحداً بسببها. ولكنها العصبية العائلية وحب السلطان التي تعمي البصائر والأبصار عن رؤية الحق الواضح.

ومن الأسباب الظاهرة التي اتخذها المنصور ذريعة لمحنته الجائرة، أن أبا حنيفة كان جريئاً في بيان خطأ حكم القضاة في المسائل التي تعرض عليهم خصوصاً إذا خالفت رأيه الذي يعتقده صواباً، فيشكوه القضاة ليمتنع عن ذلك.

(فقد روي أن ابن أبي ليلى القاضي، نظر في أمر امرأة مجنونة قالت لرجل يا ابن الزانيين، فأقام عليها الحد في المسجد قائمة وحدها حدين حداً لقذف أبيه، وحداً لقذف أمه، فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال أخطأ فيها في ستة مواضع. أقام عليها الحد في المسجد، ولا تقام الحدود في المساجد، وضربها قائمة والنساء يضربن قعوداً، وضرب لأبيه حداً ولأمه حداً ولو أن رجلاً قذف جماعة كان عليه حد واحد، وجمع بين حدين ولا يجمع بين حدين، حتى يخف أحدهما، والمجنونة ليس عليها حد، وحد لأبويه وهما غائبان ولم يحضرا فيدعيا، فبلغ ذلك ابن أبي ليلى فدخل على الأمير فشكاه إليه، وحجر على أبي حنيفة. وقال لا يفتي فلم يفتِ أياماً) (1).

وهكذا بدأت المحنة تدنو منه شيئاً فشيئاً وهو صابر مصابر محتسب، المحنة أخذت بالتتابع سريعة تنذر بوقوعها حيث سلك المنصور سبلاً أخرى، فأرسل إليه هدية ثمينة وهو يعلم أنها مردودة عليه لا محالة. ولكنه فعل ذلك ليضيف سبباً آخر وحجة أخرى.

(1) [ص166 جـ1 المناقب لأبي البراري، ص351 جـ13 تاريخ بغداد].

الإسلام بين العلماء والحكام · الصفحة ٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام بين العلماء والحكامص ٨٧