تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحكام وآيات الحكم

قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (1) وقال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2) وقال: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (3).

هذه الآيات الكريمة نزلت في حق الكفار، ولم تنزل في حق المسلمين، إلا أنه لما جاء لفظ (من) عاماً وهو من ألفاظ العموم، ثم إن خواتيم الآيات أفادت العموم، فإن ذلك يدل على أنه يدخل فيها المسلون أيضاً، عملاً بالعموم الوارد في هذه الآيات.

والحاكم المسلم إذا حكم بغير ما أنزل الله لا يكفر، إلا إذا اعتقد به، والذي يدل على أن الاعتقاد بغير ما أنزل الله هو الذي يجعل الحاكم كافراً لا مجرد الحكم قرائن كثيرة:

1 - إن الآيات الثلاث نزلت في حادثة واحدة، فكون الله تعالى وصف حال من لم يحكم بما أنزل الله بقوله (فاسقون) و (ظالمون) قرينة واضحة تدل على أن وصفه لمن لم يحكم بما أنزل الله حين قال (كافرون) يراد منه ومن يعتقد، إذ الموضوع واحد وهو الحكم بغير ما أنزل الله، والموصوف متعدد بثلاث وهو الكفر والظلم والفسق، لذا كان لكل وصف من هذه الأوصاف الثلاثة حالة تحصل في موضوع الحكم.

فالاعتقاد حالة إذا وجدت مع الحكم بغير ما أنزل الله كان الحاكم كافراً أو إذا لم يوجد الاعتقاد انعدمت صفة الكفر عنه، وانطبقت عليه صفة الظلم والفسق، فإذا حكم بغير ما أنزل الله ولم يعتقد به ولكنه لم يعط الحق حقه كان فاسقاً وظالماً، فاسقاً لارتكابه معصية لأنه حكم بغير ما أنزل الله وظالماً لأنه ظلم صاحب الحق، أو بعبارة أخرى يكون كافراً إن أنكر ما أنزل الله اعتقاداً ويكون ظالماً لأنه حكم بخلاف ما أنزل الله وفاسقاً لأنه خرج عن ما أنزل الله، لذا كان تعدد الموصوف لموضوع واحد قرينة دلت على أن قوله (كافرون) يراد منه الجاحدون اعتقاداً، ومثله قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في تارك الصلاة (ومن تركها فقد كفر) فتارك الصلاة لا يكفر إلا إذا تركها غير معتقد بوجوبها.

2 - إن الآيات الثلاث نزلت في اليهود وهم كفار، والتقسيم يكون على من كان مثلهم، وحين الرجوع إلى سبب النزول نجد أنها نزلت حين رد اليهود حكم الله في رجم الزاني المحصن، وأبدلوه بالجلد، لذا كانوا كفاراً حيث أن حالهم فيه أمران: أحدهما رد ما أنزل الله عليهم لأنهم يرونه غير صالح. وثانيهما حكمهم بخلافه ولذلك كان الرد لما أنزل الله هو الشرط الأساسي في اعتبارهم كافرين إذا حكموا بغير ما أنزل الله.

(1) الآية 44 المائدة.

(2) الآية 45 المائدة.

(3) الآية 47 المائدة.

الإسلام بين العلماء والحكام · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام بين العلماء والحكامص ٢٢