تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحكام

" إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به " (1)

-حديث شريف-

وجود الحكام للناس أمر لازم لهم، لزوم الماء للحياة، إذ لا سعادة للبشر إلا بهم. ولا عدلاً قائماً، ولا حقاً ظاهراً إلا بسلطان الحكام، فالناس فوضى بدونهم، ولن يصلح الناس فوضى، لا تقام فيهم أحكام الشرع، ولا تطبق عليهم حدود الإسلام ولا تنفذ أنظمته ولا يأمن الناس على حياتهم ولا تحقق رفاهية، ولا يدفع عدو طامع مع هذه الفوضى، ولقد عبر سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله الجامع (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به) (2).

ومن أجل ذلك بوأ الله تعالى للحكام مكاناً علياً، وأنزلهم منازل كريمة، فكانوا ظل الله في الأرض، وأحبابه يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر) (3) وقوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل) (4).

ذلكم هم الحكام الذين يستحقون هذه المنازل، وينعمون بذلك النعيم المقيم، وهم الذين وصفهم الإمام العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه والإمام التقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه والعالم الصالح الحسن البصري وقاضي القضاة أبو يوسف بأوصاف خاصة.

أما عمر فيقول من كتاب له إلى عامله أبي موسى الأشعري: (أما بعد فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته وإن اشقى الولاة من شقيت به رعيته وإياك والتبسط، فإن عمالك يقتدون بك وإنما مثلك مثل الدابة رأت مرعى محضراًً فأكلت كثيراً حتى سمنت فكان سمنها سبب هلاكها لأنها بذلك السمن تذبح وتؤكل) (5).

وقوله في كتاب وجهه إلى عموم ولاته: "أيها الناس إن الله عظيم حقه فوق حق خلقه فقال فيما عظم من حقه (وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (6) ألا وأني أبعثكم أمراء لا جبارين ولكن بعثتكم أئمة الهدى، يهتدى بكم فردوا على المسلمين حقوقهم ولا تضربوهم فتذلوهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم" (7).

أما علي فيقول من كتاب إلى واليه على مصر مالك بن الأشتر النخعي: "اعلم يا مالك أني وجهتك إلى بلاد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض عليهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك".

وإياك ومساماة (8) الله في عظمته، والتشبه به في جبروته فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال.

(1) متفق عليه.

(2) تقدم تخريجه.

(3) أخرجه الترمذي وأحمد، وقال شعيب الأرنؤوط: "إسناده ضعيف". أهـ

(4) متفق عليه.

(5) مناقب عمر لابن الجوزي ص130.

(6) الآية 80 آل عمران.

(7) [الخراج لأبي يوسف].

(8) [المساماة: المباراة من السمو والعلو].

الإسلام بين العلماء والحكام · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام بين العلماء والحكامص ٢٦