تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-محنة البخاري-

ليس في دنيا الإسلام مثل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في زمانه، فهو أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم كما لقب به.

ذلك ما شهد به شهود عدول من أقرانه الذين يعرفون فضله وعلمه، ولنسمع إلى شهادة أحدهم فيه:

(قال أحمد بن حمدون الصفار، رأيت مسلم بن الحجاج –وهو الحافظ المحدث صاحب صحيح مسلم- جاء إلى البخاري فقبل عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله .. ثم سأله عن حديث كفارة المجلس ... فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم لا يغضبك إلا حاسد وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك) (1).

نعم ليس في الدنيا مثله، فقد وهبه الله تعالى قوة من الحظ، وضبطاً في النقل وقدرة في فهم العلل. والتمييز بين الصحيح والسقيم. وكتابه الجامع الصحيح الذي اتفق عليه جمهور علماء المسلمين. بأنه أصح كتاب بعد كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى، دلالة صدق على ذلك.

وكيف لا يكون كذلك. وهو الحجة الثبت والحافظ الأعظم لسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً والذي لا يستطيع أحد أن يجاريه في الضبط والإتقان، سنداَ ومتناً.

(دخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها. فجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها وخلطوا في الأسانيد فاأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق. ثم قرؤوها على البخاري يقصدون امتحانه فرد كل حديث إلى إسناده، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها، ولم يقدروا أن يأخذوا عليه سقطة في إسناد ولا متن وكذلك وضعوا له في بغداد فأذعنوا له بالفضل والسبق) (2).

لقد عرف إمامنا البخاري في طيلة حياته. بأنه كان رضي الله عنه كثير الورع على درجة عظيمة من الزهد. الأمر الذي كان يرى في ابتعاده عن الحكام وفي زهد الاتصال بهم. سلامة لدينه وأماناً من تجريح تقواه. ولأنه أراد التفرغ اللازم للاشتغال في جمع أحاديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم. والاعتناء بها عناية تليق بمكانها. وهي بلا ريب المصدر الثاني للإسلام. لذلك انصرف إليها بكليته، يجوب أقطار الإسلام على راحلته وفي بعض الأسفار مشياً على الأقدام. ليأخذ الحديث من ثقاة رواته. قال رضي الله عنه (دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة العربية –مرتين وإلى البصرة أربع مرات. وأقمت في الحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع المحدثين) وانصرافه هذا جعله لا يفكر إلا بالحديث حتى في ساعات الجهاد حين كان حارساً مع صاحب له لحماية ثغر من ثغور المسلمين، كما سيأتي في فصل قادم (3).

ومن كان هذا حاله فأنى له أن ينشىء علاقة مع الحكام أياً كانت العلاقة سلباً أو إيجاباً. لذا فقد أصبح هو في واد والحكام في واد آخر.

(1) [354 وما بعدها من كتاب الحديث والمحدثون لأبي زهرة].

(2) [المصدر السابق].

(3) [فصل العلماء والجهاد].

الإسلام بين العلماء والحكام · الصفحة ١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام بين العلماء والحكامص ١٠٨