تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل: المحكم ما يعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلها لائحة لا تشتبه، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل. وقال بعضهم: المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية [باذان] (1) المتشابه حروف التهجي في أوائل السور، وذلك أن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي: بلغنا أنه أنزل عليك ﴿الم﴾ فننشدك الله أنزلت عليك؟ قال: "نعم" قال: فإن كان ذلك حقا فإني أعلم مدة ملك أمتك، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ قال: "نعم ﴿المص﴾ " قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة، قال: فهل غيرها؟ قال: "نعم ﴿الر﴾ ". قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا فأنزل الله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ (2) .

﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن الحق وقيل شك ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ واختلفوا في المعني بهذه الآية. قال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: "بلى" قالوا: حسبنا، فأنزل الله هذه الآية.

وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمل. وقال ابن جريج: هم المنافقون وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبأية فلا أدري من هم، وقيل: هم جميع المبتدعة.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن مسلمة، أنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنهما قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ -إلى قوله ﴿أولو الألباب﴾ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " (3) .

بقرة أو شاة، ﴿ولا القلائد﴾ أي: الهدايا المقلدة، يريد ذوات القلائد، وقال عطاء: أراد أصحاب القلائد، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم كيلا يتعرض لهم، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها. وقال مطرف بن الشخير: هي القلائد نفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لحاء شجر مكة ويتقلدونها فنهوا عن نزع شجرها.

قوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ أي: قاصدين البيت الحرام، يعني: الكعبة فلا تتعرضوا لهم، ﴿يبتغون﴾ يطلبون ﴿فضلا من ربهم﴾ يعني الرزق بالتجارة، ﴿ورضوانا﴾ أي: على زعمهم؛ لأن الكافرين لا نصيب له في الرضوان، وقال قتادة: هو أن يصلح معاشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل: ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة؛ لأن المسلمين والمشركين كانوا يحجون، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (سورة التوبة، 5) وبقوله: "فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا" (سورة التوبة، 28) ، فلا يجوز أن يحج مشرك ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد.

قوله عز وجل: ﴿وإذا حللتم﴾ من إحرامكم، ﴿فاصطادوا﴾ أمر إباحة، أباح للحلال أخذ الصيد، كقوله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" (الجمعة، 10) .

﴿ولا يجرمنكم﴾ قال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم، يقال: جرمني فلان على أن صنعت كذا، أي حملني، وقال الفراء: لا يكسبنكم، يقال: جرم أي: كسب، وفلان جريمة أهله، أي: كاسبهم، وقيل: لا يدعونكم، ﴿شنآن قوم﴾ أي: بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئت، قرأ ابن ابن عامر وأبو بكر ﴿شنآن قوم﴾ بسكون النون الأولى، وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان، والفتح أجود، لأن المصادر أكثرها فعلان، بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان ونحوها، ﴿أن صدوكم عن المسجد الحرام﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتح الألف، أي: لأن صدوكم، ومعنى الآية: ولا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء لأنهم صدوكم. وقال محمد بن جرير: لأن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، وكان الصد قد تقدم، ﴿أن تعتدوا﴾ عليهم بالقتل وأخذ الأموال، ﴿وتعاونوا﴾ أي: ليعين بعضكم بعضا، ﴿على البر والتقوى﴾ قيل: البر متابعة الأمر، والتقوى مجانبة النهي، وقيل: البر: الإسلام، والتقوى: السنة، ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ قيل: الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم، وقيل: الإثم: المعصية، والعدوان: البدعة.

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي · الجزء ٢ · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغويج ٢ · ص ٩