القسم ﴿وربك لا يؤمنون﴾ ويجوز أن يكون ﴿لا﴾ في قوله ﴿فلا﴾ صلة، كما في قوله ﴿فلا أقسم﴾ حتى يحكموك: أي يجعلوك حكما، ﴿فيما شجر بينهم﴾ أي: اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض، ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا﴾ قال مجاهد: شكا، وقال غيره: ضيقا، ﴿مما قضيت﴾ قال الضحاك: إثما، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، ﴿ويسلموا تسليما﴾ أي: وينقادوا لأمرك انقيادا.
﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ﴾
قوله تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا﴾ أي: فرضنا وأوجبنا، ﴿عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ كما أمرنا بني إسرائيل ﴿أو اخرجوا من دياركم﴾ كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من مصر، ﴿ما فعلوه﴾ معناه: أنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الرسول والرضى بحكمه، ولو كتبنا عليهم القتل والخروج عن الدور ما كان يفعله، ﴿إلا قليل منهم﴾ نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى الله، قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل، والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي" (1) .
قرأ ابن عامر وأهل الشام ﴿إلا قليلا﴾ بالنصب على الاستثناء، وكذلك هو في مصحف أهل الشام، وقيل: فيه إضمار، تقديره: إلا أن يكون قليلا منهم، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على الضمير الفاعل في قوله ﴿فعلوه﴾ تقديره: إلا نفر قليل فعلوه، ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به﴾ من طاعة الرسول والرضى بحكمه، ﴿لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾ تحقيقا وتصديقا لإيمانهم.
﴿وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما﴾ ثوابا وافرا.
﴿ولهديناهم صراطا مستقيما﴾ أي: إلى الصراط المستقيم.