تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الكلبي: يقول الله عز وجل للبهائم والوحوش والطير والسباع: كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابا كما قال الله تعالى: "ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا" (النبإ 40) .

﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ قال عطاء: ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته. وقال الآخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله حديثا لأن ما عملوا لا يخفى على الله ولا يقدرون على كتمانه. وقال الكلبي وجماعة: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ لأن جوارحهم تشهد عليهم.

قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: هات ما اختلف عليك، قال: "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" (المؤمنون -101) ، "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" (الطور -25) وقال: "ولا يكتمون الله حديثا"، وقال "والله ربنا ما كنا مشركين" (الأنعام -23) فقد كتموا، وقال: "أم السماء بناها"، إلى قوله تعالى: "والأرض بعد ذلك دحاها"، فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال: "أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين"، إلى قوله: "طائعين" (فصلت 9-11) فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: "وكان الله غفورا رحيما" "وكان الله عزيزا حكيما" فكأنه كان ثم مضى؟ .

فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى قال الله تعالى: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله" (الزمر -68) ، فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة ﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ، وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقل لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾ ، و ﴿خلق الأرض في يومين﴾ ، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض، ودحيها: أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فقال:: خلق الأرض في يومين فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله (1) .

وقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون: ما كنا مشركين، وما كنا نعمل من سوء، وفي موضع يعترفون على أنفسهم وهو قوله:

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي · الجزء ٢ · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغويج ٢ · ص ٢١٨