تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول أكثر المفسرين، قالوا: العفو أن يقبل الدية في قتل العمد وقوله ﴿من أخيه﴾ أي من دم أخيه وأراد بالأخ المقتول والكنايتان في قوله ﴿له﴾ ﴿من أخيه﴾ ترجعان إلى من وهو القاتل، وقوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا يسقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل.

قوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أي على الطالب للدية أن يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه.

﴿وأداء إليه بإحسان﴾ أي على المطلوب منه أداء الدية بالإحسان من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه ومذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص على الدية فله أخذ الدية وإن لم يرض به القاتل، وقال قوم: لا دية له إلا برضاء القاتل، وهو قول الحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وحجة المذهب الأول ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل" (1) .

قوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ أي ذلك الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة، وذلك أن القصاص في النفس والجراح كان حتما في التوراة على اليهود ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفا منه ورحمة.

﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ فقتل الجاني بعد العفو وقبول الدية ﴿فله عذاب أليم﴾ أن يقتل قصاصا، قال ابن جريج: يتحتم قتله حتى لا يقبل العفو، وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾ وقال في آخر الآية ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ وأراد به أخوة الإيمان، فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل.

﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) ﴾

قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ أي بقاء، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي · الجزء ١ · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغويج ١ · ص ١٩١