وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد به الله ﴿إلى السماء﴾ (1) وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحا للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ويري الناس به العجائب، وقيل: هو الإنجيل جعل له روحا كما ﴿جعل القرآن روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب﴾ (2) قال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" (52-الشورى) فلما سمع اليهود ذكر عيسى عليه السلام فقالوا: يا محمد لا مثل عيسى -كما تزعم-عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا.
قال الله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾ يا معشر اليهود ﴿رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم﴾ تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان ﴿ففريقا﴾ طائفة ﴿كذبتم﴾ مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ﴿وفريقا تقتلون﴾ أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيبا وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام
﴿وقالوا﴾ يعني اليهود ﴿قلوبنا غلف﴾ جمع الأغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول، قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله تعالى: "وقالوا قلوبنا في أكنة" (5-فصلت) وقرأ ابن عباس غلف بضم اللام وهي قراءة الأعرج وهو جمع غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي: معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا تعيه إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه ولو كان فيه ﴿خير﴾ (3) لوعته وفهمته.
قال الله عز وجل ﴿بل لعنهم الله﴾ طردهم الله وأبعدهم عن كل خير ﴿بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾ قال قتادة: معناه لن يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، أي فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا [على الحال وقال معمر: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، أي فقليل يؤمنون ونصب قليلا] (4) بنزع الخافض، و (ما) صلة على قولهما، وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي لا تفعله أصلا
﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ يعني القرآن ﴿مصدق﴾ موافق ﴿لما معهم﴾ يعني التوراة ﴿وكانوا﴾ يعني اليهود ﴿من قبل﴾ قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يستفتحون﴾ يستنصرون ﴿على الذين كفروا﴾ على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج