الذي ولاك الإمامة:
كان أحمد بن محمد النوري إذا رأى منكرًا غيره، ولو كان فيه كلفة، نزل يومًا، فرأى زورقًا فيه ثلاثون دنًّا (1).
فقال للملاح: ما هذا؟ قال: ما يلزمك؟ فألح عليه، فقال: أنت والله صوفي كثير الفضول، هذا خمر للمعتضد، قال: أعطني ذلك المِدْري (2)، فاغتاظ وقال لأجيره: ناوله حتى أبصر ما يصنع، فأخذه، ونزل فكسرها كلها غير دن، فأخذ وأدخل إلى المعتضد، فقال: من أنت ويلك؟ قال: محتسب، قال: ومن ولاك الحسبة؟ قال: الذي ولاك الإمامة يا أمير المؤمنين! فأطرق وقال: ما حملك على فعلك؟ قال: شفقة مني عليك! قال: كيف سلم هذا الدن؟ فذكر أنه كان يكسر الدنان ونفسه مخلصة خاشعة، فلما وصل إلى هذا الدن أعجبته نفسه، فارتاب فيها، فتركه (3).
الإنكار باليد أعلى مراتب الإنكار، ولكن ليس لكل أحد أن ينكر بيده إلا من كانت له القدرة على ذلك، والقدرة إما معنوية كـ (الشجاعة) و (العلم) وإما حسية
(1) الدن: وعاء ضخم للخمر وغيرها.
(2) المدري: قطعة من الحديد أو الخشب على شكل قرن.
(3) السير (14/ 76).