٥٣ ٥ ﴿
أو لم تسمعُوا ربَّكُم يقولُ فتلتْ هَذِهِ الآيةَ ﴿إِنَّهُ عَلِىٌّ﴾ متعالٍ عن صفاتِ المخلوقينَ لا يتأتَّى جَرَيانُ المفاوضةِ بينَهُ تعالى وبينَهم إلا بأحدِ الوجوهِ المذكورةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْري أفعالَهُ على سُنَنِ الحكمةِ فيكلمُ تارةً بواسطةٍ وأُخرى بدونِها إمَّا إلهامًا وإما خطابًا
﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا﴾ هو القرآنُ الذي هو للقلوب بمنزلةِ الروحِ للأبدانِ حيثُ يُحيَيها حياةً أبديةً وقيلَ جبريلُ عليه السلام ومَعْنى إيحائِه إليهِ عليهما السلام إرسالُه إليهِ بالوحي ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى﴾ قبلَ الوَحي ﴿مَا الكتاب﴾ أيْ أيُّ شيءٍ هُو ﴿وَلَا الإيمان﴾ أيْ الإيمانُ بتفاصيلِ ما في تضاعبف الكتابِ من الأمورِ التي لا تهتدِي إليهَا العقولُ لا الإيمانُ بما يستقلُّ به العقل والنظر عليه فإنَّ درايتَهُ عليه الصلاة والسلام له مما لا ريبَ فيهِ قطعًا ﴿ولكن جعلناه﴾ أي الرُّوحَ الذي أوحيناهُ إليكَ ﴿نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء﴾ هدايتَهُ ﴿مّنْ عِبَادِنَا﴾ وهُو الذي يصرف اختيارَهُ نحو الاهتداءِ بهِ وقولُه تعالَى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى﴾ تقريرٌ لهدايتهِ تعالى وبيانٌ لكيفيتِها ومفعولُ لتهدِي محذوفٌ ثقةً بغايةِ الظهورِ أى وأنك لتهدِي بذلكَ النورِ من نشاءُ هدايَتهُ ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسلامُ وسائرُ الشرائعِ والأحكامِ وقُرِىءَ لتُهدَى أي لَيَهديكَ الله وقُرِىءَ لتدعوا
﴿صراط الله﴾ بدلٌ من الأولِ وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ ثمَّ وصفُه بقولِه تعالَى ﴿الذى لَهُ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ لتفخيمِ شأنِه وتقريرِ استقامتِه وتأكيدِ وجوبِ سلوكِه فإنَّ كونَ جميع ما فيها من الموجوداتِ له تعالى خَلْقًا ومِلْكًا وتصرُّفًا مما يوجبُ ذلكَ أتمَّ إيجابٍ ﴿أَلَا إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾ أى أمرو ما فيهما قاطبةً لا إلى غيرِه ففيهِ من الوعدِ للمهتدينَ إلى الصراطِ المستقيمِ والوعيدِ للضالينَ عنه ملا يخفى عن رسول الله ﷺ عن قرأَ سورةَ حم عسق كانَ ممَّن تُصلِّي عليهِ الملائكةُ ويستغفرونَ ويسترحمونَ لهُ