القصص ٥٠ ٥٤ من التَّوراةِ والقُرآنِ وسمَّيتُموهما سحرينِ فإنَّه نصٌّ فيما ذُكر وقوله تعالى ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جوابٌ للأمرِ أي إنْ تأتُوا به أتَّبعْهُ ومثلُ هذا الشَّرطِ ممَّا يأتِي به من يدلُّ بوضوحِ حُجَّتِه وسُنوحِ محجَّتِه لأنَّ الإتيانَ بما هو أهدى من الكتابينِ أمرٌ بيِّنُ الاستحالةِ فيوسع دائرةَ الكلامِ للتَّبكيتِ والإفحامِ ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي في أنَّهما سحرانِ مختلقانِ وفي إيراد كلمةِ إنْ مع امتناعِ صدقِهم نوعُ تهكُّمٍ بهم
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي فإنْ لم يفعلُوا ما كلَّفتهم من الإتيانِ بكتابٍ أهدى منهما كقولِه تعالى فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وإنَّما عُبِّر عنه بالاستجابةِ إيذانا بأنه ﷺ على كمالِ أمنٍ من أمره كأن أمره ﷺ لهم بالإتيانِ بما ذُكر دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريدُ وقوعَه والاستجابةُ تتعدَّى إلى الدُّعاءِ بنفسِه وإلى الدَّاعِي باللامِ فيحذف الدُّعاء عندَ ذلكَ غالبًا ولا يكادُ يقال استجابَ الله له دعاءَه ﴿فاعلم أَنَّمَا يتبعون أهواءهم﴾ الزائفة من غير أن يكون لهم متمسَّكٌ ما أصلًا إذْ لَوْ كانَ لهُم ذلكَ لأَتَوا بهِ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن اتبع هواه﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ للنَّفيِ أيْ لا أضلَّ ممَّن اتَّبع هواهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله﴾ أي هو أضلُّ من كلِّ ضالَ وإنْ كانَ ظاهرُ السَّبكِ لنفيِ الأصلِ لا لنفيِ المُساوي كما مرَّ في نظائرِه مرارًا وتقييدُ اتِّباعِ الهَوَى بعدمِ الهُدى من الله تعالى لزيادةِ التَّقريعِ والإشباعِ في التَّشنيعِ والتَّضليلِ وإلا فمقارنتُه لهدايتِه تعالى بينةُ الاستحالةِ ﴿إِنَّ الله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ الذين ظلمُوا أنفسَهم بالانهماكِ في اتباعِ الهَوَى والإعراضِ عن الآياتِ الهاديةِ إلى الحقِّ المُبينِ
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ وقرئ بالتَّخفيف أي أنزلنا القرآنَ عليهم متواصلًا بعضَه إثرَ بعضٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ أو متتابعًا وعدًا ووعيدًا قصصًا وعبرًا ومواعظَ ونصائحَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيؤمنون بما فيه
﴿الذين آتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ﴾ أي منْ قبلِ إيتاءِ القُرآنِ ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ وقيلَ أربعون من أهلِ الإنجيلِ اثنانِ وثلاثون جاءوا مع جعفر من الحبشة وثمانة ي من الشامِ
﴿وَإِذَا يتلى﴾ أي القرآنُ عَلَيْهِمْ ﴿قالوا آمنا بِهِ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا﴾ أي الحقُّ الذي كما نعرف حقيته وهو استئناف لييان ما أوجب إيمانَهم وقولُه تعالَى ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ أي منْ قبلِ نزولِه ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بيانٌ لكونِ إيمانِهم به أمرًا متقادمَ العهدِ لما شاهدوا ذكرَه في الكتب المنقدمة وأنَّهم على دينِ الإسلام قبل نزولِ القرآنِ
﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من النعوت