تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في قولهم: لم خصص اللَّه إحداث العالم بالوقت المعين، دون ما قبله أو ما بعده؟ قال: «الفعل لا يتوقف على الداعي» وكلما تكلم في سائر المسائل مع أصحابه. قال: «الفعل يتوقف على الداعي، وأن الرجحان من غير المرجح: باطل في بدائه العقول».

وأما مشايخ المعتزلة فأكثرهم لا يوقفون حصول الفعل على الداعي. ثم إذا قلنا: إن الفعل يتوقف على الداعي. فهل يصير الفعل واجب الوقوع عند حصول الداعية الخالصة؟ فالأليق بكلام «أبي الحسين» أنه يسلم الوجوب. وقال صاحبه «محمود الخوارزمي» (1): «إن الفعل عند حصول الداعي يترقى من حد التساوي، ولكن لا ينتهي إلى حد الوجوب، بل يصير أولى بالوقوع».

والثاني: إن العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه: علم ضروري أو نظري؟ فالجمهور من مشايخ المعتزلة اتفقوا على أنه علم نظري. وأما «أبو الحسين» فإنه يزعم: أنه علم ضروري. وهو الذي اختاره «محمود الخوارزمي».

والثالث: إن الأقوال الثلاثة الأول مشتركة في القول بالجبر. لأن بتقدير صحة كل واحد من تلك الأقوال الثلاثة، لا يكون العبد مستقلا بالإيجاد. فإن صدور الفعل عن العبد إذا كان موقوفا على إعانة اللَّه، أو كان موقوفا على حصول القدرة مع الداعي، أو كان بحال متى حصلت القدرة مع الداعية وجب الفعل. ومتى لم يحصلا، أو لم يحصل واحد منهما امتنع وقوع الفعل فكان الجبر لازما.

فهذا هو القول في تفصيل المذاهب الممكنة في هذه المسألة. واعلم: أن هاهنا أبحاثا غامضة في تعيين محل النزاع، لا بد من التنبيه عليها. وهي من وجوه:

فالبحث الأول: إن المعتزلي إما أن يقول: إن حصول الفعل عقيب مجموع القدرة والداعي: واجب. أو يقول: إنه غير واجب. فإن قال: إنه واجب. فقد بطل الاعتزال بالكلية. لأن تلك الدواعي لا يمكن أن يستند كل واحد منها إلى داعية أخرى، لامتناع التسلسل والدّور. بل لا بد من انتهائها إلى داعية تحصل بفعل اللَّه تعالى. وإذا كان كذلك، فنقول: عند حصول القدرة والداعية، لما كان الفعل واجبا، وعند فقدانها أحدهما لما كان الفعل ممتنعا:

(1) هو أبو محمد محمود الخوارزمي أخذ عن القاضي عبد الجبار (طبقات المعتزلة ص (118)).

القضاء والقدر · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٣٢