الحجة الخامسة: ما رواه مسلم (1) في صحيحه بإسناده عن طاوس اليماني، أنه قال:
أدركت ناسا من أصحاب رسول اللَّه عليه السلام، يقولون: كل شيء بقدر اللَّه، وسمعت عبد اللَّه بن عمر، يقول: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس» والاستدلال بالخبر: ظاهر. وتقريره من حيث العقل: إن كل ما سوى اللَّه ممكن، وكل ممكن محتاج. وذلك يدخل فيه الأفعال والأقوال والأحوال والأخلاق.
الحجة السادسة: ما رواه مسلم (2) في صحيحه، بإسناده عن جابر، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول اللَّه بيّن لنا ديننا، كأنّا خلقنا الآن. فيم العمل اليوم؟ فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير؟ أو فيما نستقبل؟ قال عليه السلام: «بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير» قال: ففيم العمل؟ قال: «اعملوا: فإن كلا ميسّر». قال صاحب شرح السنة، بعد ما روى هذا الخبر: «وصح عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه عليه السلام أنه قال: «يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق». فاختصمه على ذلك، أبو ذر. قالوا: المراد من قوله صلى اللَّه عليه وسلم: «الأمر قد فرغ منه» هو الكتابة في اللوح المحفوظ، والإخبار عن كونه شقيا أو سعيدا. قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه: أنه عليه السلام بيّن أن تلك الكتابة غير موجبة لشقاوة العبد ولسعادته، وإنما يستحق ذلك بعمله الذي يحصل باختياره.
وأما قوله: «كل ميسر لما خلق له» فالمراد: أنه قادر عليه، غير ممنوع. وذلك هو صريح مذهب الاعتزال.
والجواب:
أما حمل هذا الكلام على الحكم والكتابة فقد تقدم القول بأن هذا يوجب قولنا.
وأما قوله: «إنه عليه السلام ما أحال السعادة والشقاوة على ذلك الكتاب، بل على ذلك العمل» فجوابه: إن الحديث دل على أنه تعالى إنما قدر له
(1) رواه مالك في الموطأ ((899) / (2)) ومن طريقه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب كل شيء بقدر ((2045) / (4) رقم (2655))، وأحمد ((110) / (2)).
(2) الحديث رواه مسلم في القدر باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ((2040) / (4) رقم (2648))؛ وأحمد ((293) / (3)).