تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابع: إن قوله: «كيف تلومني على أمر قدره اللَّه عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة»؟ ليس المراد من لفظ التقدير هاهنا: الخلق والتكوين. لأن فعل الإنسان، قبل خلق ذاته بأربعين سنة: محال. بل المراد من هذا التقدير: هو أنه تعالى كتب ذلك في اللوح المحفوظ. والتقدير بهذا التفسير مما لا نزاع في إثباته ألبتة.

فهذا جملة كلام المعتزلة على استدلال أصحابنا بهذا الخبر: والجواب:

أما قوله: «رواية أبي هريرة مضطربة في هذا الخبر» قلنا: جميع الروايات مشتملة على التعليل بتقدير اللَّه. ودليلنا: هو هذا القدر المشترك (1).

قوله ثانيا: «كيف يشافه الولد والده بالسوء، لا سيما إذا كان الولد من أكابر الأنبياء»؟ قلنا: لا نسلم أن ذلك من باب المشافهة بالسوء. بل كان ذلك من باب الشكاية.

قوله ثالثا: «الصادر من آدم كان من باب الصغائر، فلا يجوز أن يلام عليه» قلنا: لا

نسلم أنه كان من باب الصغائر، بل كان من باب الكبائر. إلا أنا نقول: إن تلك الواقعة وقعت قبل النبوة (2).

(1) قلت: حجة موسى عليه السلام وفق هذه الروايات المختلفة كانت دلالتها واحدة وهي أن آدم عليه السلام أخرج نفسه وذريته من الجنة بسبب ذنبه: «أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة» «أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة» وفي رواية بزيادة «بذنبك»؛ «أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة»؛ «أنت آدم الذي أخرجتك خطيئة من الجنة» «أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة»؛ ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض»؛ «فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة».

أما حجة آدم عليه السلام فمدلولها رغم اختلافات ألفاظ الروايات واحد وهو أن لوم موسى منصب لا على الذنب بل على قدر الإهباط من الجنة نفسه وأن ذلك القدر مكتوب على آدم قبل خلقه بل وقبل خلق السموات والأرض. انظر إلى الروايات التالية:

- «تلومني على أمر قدّر (أو قدّره اللَّه) علي قبل أن أخلق ... ».

«كتب عليّ قبل أن يخلقني».

- أ تلومني على أمر قدر اللَّه علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة .. ».

- «أ فتلومني على أن عملت عملا كتبه اللَّه علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما».

- «فبكم وجدت اللَّه كتب التوراة قبل أن أخلق .. أ فما وجدت أن ذلك كان في كتاب اللَّه قبل أن أخلق»؟.

- «فبم تلومني على شيء سبق من اللَّه تعالى فيه القضاء قبلي».

- « .. قبل أن يخلق السموات والأرض».

(2) لعله فهم ذلك من قوله تعالى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى أو قوله عزّ وجلّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً والشاهد في الآية الأولى قوله سبحانه (ثم) التي تفيد المهلة والتأخير وقوله (اجتباه) والاجتباء الاصطفاء وهي في القرآن الاصطفاء بالنبوة والرسالة والوحي. قال تعالى وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا وقال وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ وقال في حق يوسف عليه السلام وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وقال في حق إبراهيم عليه السلام شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقال في حق يونس عليه السلام فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ وقال في حق الأنبياء والرسل: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأبو يوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

أما الشاهد في الآية الثانية فإفادتها أن ايتاء الهدى بعد حادثة الإهباط إلى الأرض.

انظر مناقشة الرازي لهذا القول في عصمة الأنبياء ((26) - (32)) وفي التفسير الكبير ((11) / (1) - (15)).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٠٥