تخطَّ إلى المحتوى

وإذا ثبت هذا فلنرجع إلى مطلوبنا من هذا الكتاب. فنقول: مسألة القضاء والقدر، مسألة قطعية يقينية، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن. والتمسك بالحجة الظنية في المسألة القطعية لا يجوز.

هذا تقرير هذا السؤال.

والجواب من وجهين:

الأول: هب أن كل واحد من هذه الأخبار غير معلوم الصحة، إلا أن مجموعها، ربما بلغ مبلغ القطع واليقين. وبهذا الطريق تمسكنا بالمعجزات المروية بالآحاد. إلا أن هذا الطريق ينتقض بأخبار التشبيه. للمشبهة أن يقولوا: إن مجموعها بلغت مبلغ التواتر. فإن منعناهم عن ذلك، كان لخصومنا في هذه المسألة أن يمنعونا عنه أيضا.

الثاني: نسلم أنها لا تفيد إلا الظن. ونكتفي منها بالظن. بل فيه فائدة أخرى. وهي:

إن الدلائل العقلية إذا دلت على صحة قولنا، ثم رأينا أن ظواهر القرآن والأخبار تؤكد تلك العقليات، قوي اليقين وزالت الشبهات. وباللَّه التوفيق (1).

(1) تعليق على كلام الرازي رحمه اللَّه في حديث الآحاد وإفادته الظن:

أ - قول الرازي: اتفق الأصوليون على أنه لا يجوز «غير صحيح. فقد اختلف في ذلك على أقوال:

(1) - من قال بأنه لا يفيد العلم - أو القطع - مطلقا. وإليه ذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والمعتزلة والخوارج. وقال الغزالي في المستصفى «خبر الواحد لا يفيد العلم وهو معلوم بالضرورة» ((145) / (1)).

(2) - من قال بأنه يفيد العلم ولكن بقرينة. واختاره الآمدي في الأحكام ((48) / (2)) وابن الحاجب في المنتهى (ص (71)) وابن السبكي (حاشية البناني (130) / (2)). والنظام.

(3) - من قال من أهل الحديث بأن الحديث الذي حكم أهل الصنعة من المحدثين بصحته يوجب علم اليقين ضرورة.

(4) - من قال إلى أنه يقتضي العلم الظاهر بمعنى الظن.

(5) - ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة وهذا مطرد في كل واحد. كبعض أهل الظاهر وهو مذهب أحمد في إحدى الروايتين كما نقل ذلك الآمدي. ونقل هذا المذهب ابن حزم في كتابه «الإحكام» عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي ثم قال: وبه نقول. وحكي ذلك عن أحمد وإن كانت قد اضطربت الرواية عنه في ذلك» وقال ابن قدامة في «روضة الناظر»: اختلفت الرواية عن أمامنا رحمه اللَّه في حصول العلم بخبر الواحد فروي أنه لا يحصل به وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا. وروي عن أحمد أنه قال في أخبار الرؤية وما أشبهها مما كثرت رواته وتلقته الأمة بالقبول ودلت القرائن على صدق ناقله. فيكون إذن من المتواتر. ويحتمل أن يكون خبر الواحد عنده مفيدا للعلم. وهو قول جماعة من أصحاب الحديث وأهل الظاهر وحكاه ابن خويزمنداد عن الإمام - - مالك بن أنس وأطال في تقريره. ونقل الشيخ في التبصرة عن بعض أهل الحديث أن منها ما يوجب العلم الظاهر .. ».

ب - الرازي لم يميز بين إفادة خبر الواحد الظن الراجح أو المرجوح وبين إنكار الحديث جملة والطعن في الأخبار النبوية بشكل عام. فقد أسرف في الطعن في الأخبار لدرجة أنه نسي أن الباب ليس في عدم ثبوت خبر الآحاد وإنما في إفادته الظن. حيث إن من قرأ بحثه هذا - لو جرد - لرآه تشكيكا في السنة النبوية وأخبارها. وطعنا في مرويات الصحابة. إن لم يكن طعنا في الصحابة رضوان اللَّه عليهم. وانتقل من اختلاف الرواية سندا ومتنا إلى الطعن في المخبر نفسه الذي هو واحد بظنه ..

ج‍ - الرازي قاس الأخبار الحديثية على الأخبار العادية. وظن أن هذه كتلك من حيث إفادة الظن. برغم أن السنة محفوظة عموما وهذا قاطع كقطعية القرآن الكريم. حيث أن السنة جاءت بيانا لمجمل القرآن أو تخصيصا لعامه أو تقييدا لمطلقه أو نسخا لمنسوخه (على رأي البعض) .. واللَّه سبحانه قد تكفل بحفظ القرآن وكيف يحفظ القرآن - لفظا ومعنى - دون حفظ السنة إجمالا معه؟ والقرآن منقول إلينا فضلا عن رسمه المعروف قراءات منقولة ومتواترة .. والنقلة هم هم؟. فالإعجاز في نقله متطرق إلى السنة نفسها. وهي ما تميزت به أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم .. - الحديث والإسناد - فكيف نقيس أخبارها على الأخبار العادية. وإذا تطرق الاحتمال هذا قبل النقد فبعد المنهج النقدي عن علماء الحديث لم يعد لقائل أن يقول بعدم الفارق بين الأخبار العادية والنبوية.

د - قاس الرازي الرواية على الشهادة مع الفارق. واعتبر التثبت في الشهادات في الزنا مثلا بأربعة شهود لا يفيد العلم! .. مع أن القضاء في ذلك غير منوط بعلم وإنما بغلبة ظن القاضي - حتى لو عاد إلى تزكية المزكين - وغلبة الظن هذه لا تعني أن الخبر نفسه وبذاته مفيد للعلم أو لا. فالامران منفصلان. ومسائل القضاء هذه مبنية على أحكام شرعية متعلقة بالشهادة لا بالرواية كرواية وسماع.

ه‍- لم يقل لنا الرازي ما هو المنهج الذي اعتمده في معرفة «الظن والقطع» وما هو «المظنون» و «المقطوع» أو هل هذا المنهج يتناول المقطوع والمظنون كواقع موضوعي منفصل عن المرء نفسه. إذ قد يقطع كثير من الناس - كما جرت العادة والرازي ممن يحتج بها - بأمر غير ثابت موضوعيا وحقيقة. أو قد يظنون أمرا مقطوع بل قد ينكرونه ربما!! وهل القطع مستفاد من الخبر نفسه وطريقة وصوله إلينا أو من المخبر وقرائنه؟ ..

و- إذا كان الشارع أجاز لنا التعبد بأخبار الآحاد قطعا، بل أوجب علينا أخذ الأحكام منها قطعا ويقينا. هل يستطيع أحدنا أن يقوم بذلك الحكم المظنون ويلتزم به دون هذه المقدمة اليقينية ودون اعتقاد أن الشارع قاله وذلك فضلا عن مضمونه إذ في أحاديث الأحكام، أحكام عقائدية كثيرة؟ .. وفي ذلك ما يبطل الأحكام الشرعية نفسها إذ أنها متصلة بهاتين النقطتين: مصدريتها وما اقترن بها من عقائد ..

ز - هل ثبت تمييز الصحابة بين المقطوع والمظنون وفق هذا المنهج واعتبار التواتر شرط في اعتقاد الثبوت وثبوت الاعتقاد؟ والتثبت المنقول عنهم ما هو إلا تثبت في أحكام تتعلق بحقوق اللَّه وحقوق العباد وهي متصلة بالإمارة والقضاء.

ح - التمييز بين العقيدة والأحكام هو تمييز اصطلاحي. لكن في حقيقة الأمر هما متصلان أيما اتصال. بعضهما ببعض.

ط - إن علماء الحديث اختلفوا في حد التواتر على أقوال كثيرة فهل هذا يعني أن المتواتر نفسه مظنون بنفس المنهج الذي يقول به الرازي وغيره؟.

ي - أن مرد التواتر بالنسبة لمن يبلّغه ولمن يبلغه للآحاد. فيصبح اعتقاد الآحاد بنقل آحاد المحدثين للتواتر اعتقاد بخبر الواحد وهو مظنون. خاصة بعد افتراق المحدثين عن غيرهم من المسلمين بتحملهم عبء البحث عن صحة الأحاديث ..

يا - قال أبو الطيب صديق حسن خان رحمه اللَّه تعالى «والخلاف في إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مقيد بما إذا لم - - يضم إليه ما يقويه وأما إذا انضم إليه ما يقويه أو كان مشهورا أو مستفيضا فلا يجري فيه الخلاف المذكور ولا نزال في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العلم بمقتضاه فإنه يفيد العلم» (حصول المأمول من علم الأصول ص (56) - عن وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للألباني ص (25)).

يب: أن خبر الواحد في العادة إذا أفاد الظن بل والشك في صحته فلأنه لم يخضع بعد لميزان النقد وهذا قبل حصول النقد ربما كان جائزا لكن بعد التثبت بالطرق الدقيقة وإخضاعه لمنهج نقدي صارم فلا يصح قياسه عليه! ولا يصح معه القول بأنه يفيد الظن.

خلاصة القول أن قول المحدث الثقة: هذا الحديث صحيح ليس خبر آحاد غير محتف بالقرائن. وإذا كان من خلاف معه على الصحة فالتبعة على المخالف وعليه الاحتجاج بالمقابل. فكلاهما: الصحة والثبوت وعدم الصحة والثبوت يقتضي الدليل والبرهان .. وليس للمسلم بعد ثبوت الصحة أن يقول: هذا حديث آحاد لا أقبل به لأن ذلك إنكار له والمحدثون والأصوليون إنما اختلفوا في إفادته الظن أو العلم. فهو بذلك خارج عنهم وأتى بقول مستحدث جديد مخالف لكليهم. فلم يقل أحد منهم يصح إنكار الحديث الصحيح سندا ومتنا دون أية حجة ودليل ... وأما قرائن الصحة فما أكثرها. بعضها يتصل بالسند والاتصال، وبعضها يتصل بالرجال وبعضها يتصل بإجماع المحدثين أو المسلمين الخ .. ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بتعلم علم اصطلاح الحديث ففيه كفاية للمستفيد وزيادة للمستزيد. واللَّه أعلم.

القضاء والقدر · الصفحة ٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.