المزكي. فإن حصلت التزكية قبل شهادتهم، وإن حصل الجرح ردّها. ولو كان العلم يحصل بشهادتهم، لكان يستغني عن الجرح والتعديل. فلما علمنا وجوب الرجوع إلى المزكي، مع فقد العلم بما شهدوا، علمنا أن خبر الأربعة لا يفيد العلم.
فثبت بهذه الوجوه الأربعة: أن خبر الواحد، لا يفيد إلا الظن، فوجب أن لا يجوز التمسك به في المسائل القطعية.
الحجة الثانية على أنه لا يجوز التمسك بأخبار الآحاد في اليقينيات: أن نقول: أشرف طبقات الرواة: طبقة الصحابة، ثم إن رواياتهم لا تفيد اليقين. أما في حق الصحابة. فيدل عليه وجوه:
الأول: إن أظهر الأمور وأجلاها: أمر الأذان والإقامة. وذلك لأنه - عليه السلام - واظب عليهما مدة عشرة سنين، أو أكثر أو أقل. والكل كانوا يشاهدونه، في كل يوم خمس مرات.
والخلفاء الراشدون واظبوا عليها مدة ثلاثين سنة مع الجمع العظيم. ثم إن الرواة ما ضبطوا أحوال الأذان، ولا أحوال الإقامة. أما أحوال الأذان. فهو أن الترجيع (1) هل هو معتبر في الأذان أم لا؟ وأما الإقامة. فإنها هي فرادى أو مثناة؟ وليس لقائل أن يقول: لعلها كانت مرة فرادى، ومرة مثناة. لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك، لوجب أن ينقل الراوي أنها كانت مرة فرادى، ومرة مثناة، فلما عجزوا عن ضبط هذا القدر مع أن الكل شاهدوا هذه المدة الطويلة، فكيف يبقى الوثوق برواياتهم في المسائل الدقيقة، وفي المباحث الغامضة. مع أنهم - بزعمهم - ما سمعوها إلَّا مرة واحدة؟.
ومن ذلك ما روي أنه - عليه السلام - أفرد الحج، أو قارن، أو تمتع (2). مع أن الحج:
(1) الترجيع في الأذان: هو أن يخفض صوته بالشهادتين ثم يرفعه بهما وقد روى حديث الترجيع مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان ورواه أيضا الشافعي. وقد رجحه البعض لكونه متأخرا ومشتمل على الزيادة المقبولة. انظر نيل الأوطار (15) /
(2) - (26)؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر (112) / (1)؛ تلخيص الحبير له أيضا (200) / (1). وجامع الأصول لابن الأثير (280) / (5).
(2) روى مسلم ومالك والترمذي وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أفرد الحج. وكذا رواه مسلم والترمذي عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما. وأما القران فقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنهما. والتمتع رواه البخاري ومسلم والنسائي عن عمران بن حصين والنسائي - - ومسلم عن علي رضي اللَّه عنه وكذا الترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما ومسلم ومالك والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنه والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما (راجع جامع الأصول (99) /
(3) - (161)). وقد اختلف العلماء في حج النبي صلى اللَّه عليه وسلم هل كان قرانا أو تمتعا أو أفرادا؟ وانظر في ذلك نيل الأوطار (39) / (5)؛ تلخيص الحبير (231) / (2)؛ زاد المعاد لابن القيم (177) / (1) وما بعدها .. ).