المدينة تذكرك ببكاء أبي بكر في الصلاة ، وورعه وتقواه ، لو وضع الصخر على بساطه لكاد أن يذوب ، ولو زجر الشيطان بنصحه لأوشك أن يتوب . جمع الفضائل كأنه يسوقها بعصاه ، وحب له في القلوب فلو أشار للجيش هيا إلى الموت ما عصاه .
والمدينة تذكرك بالدولة العمرية ، وتلك المناقب الأثرية ، عدل صار في العالم قصة ، وترك في حلق كل جبار غصة ، وزهد يقول الزهد : لا نستطيع معك صبرا ، وورع يقول له القلب : لا نعصي لك أمرا ، عمر بن الخطاب ، سل عنه المحراب ، بكاء فيه وتفجع ، ونحيب وتوجع . وإذا بصاحب هذه الدموع الآسرة ، يهز بهيبته القياصرة والأكاسرة ، معه بردة مرقعة ، وحذاء مقطعة ، ثم تخفق قلوب الملوك على وقع حذائه ، وينام العدل على طرف ردائه .
والمدينة تذكرك بالوقفات الإيمانية ، في الحشايا العثمانية ، والمعاهد العفانية ، طهر يغتسل في نهره ماء الغمام ، وحياء يصيد بوداعته ورق الحمام ، وسخاء تضرب به الأمثال ، وتعجز عن مجاراته الرجال .
والمدينة تذكرك بسيف الله المنتضى ، وعبده المرتضي ، علي بن أبي طالب أبي الحسن ، الخطيب اللسن ، ناصر الدين والسنن ، بطل الأبطال حيدره ، هازم الكفره ، وصاحب السيرة العطرة .
ما هزني ذكر أشجان وأطلال
لكن هنا المجد والتأريخ قد جمعا
أو خيمة عرضت أو معهد بالي
فاكتب بدمعي آهاتي وتسآلي
إذا قالت روما : عندنا من الملاحم فصول ، وقالت باريس : عندنا ديقول، وقالت لندن : عندنا العالم المأهول ، فإن المدينة تقول : عندنا الرسول .
حي دار الهجرة ، وميدان النصرة ، وأرض الشهداء ، وجامعة العلماء . في ثرى المدينة سيد الشهداء ، حمزة المقدام ، وغسيل الملائكة الكرام ، ومن كلمه الرحمن ، وحفظة القرآن ، وزيد بن ثابت إمام الفرائض ، وحسان بن ثابت شاعر الردود والنقائض، وأبي بن كعب صاحب الذكر الحكيم ، وفيها من اهتز له العرش العظيم .