فقال : من سهر الليالي ، نال المعالي ، قالوا : زادك الله علما ، ورزقك فهما ، فما هي أمنيتك في هذه الدنيا القصيرة ، فإنك صاحب بصيرة .
فقال : يا ليت لي حقل من برسيم ، فأقع فيه وقعة والي مال اليتيم ، فأجعله كالرميم، ثم بكى حتى دمعت عيناه ، وقال : يا سعادة من نال مناه .
ثم أنشد :
من يذم الشعير عندي حقير
فهو بالذم والملام جدير
هو عندي ألذ من كل شيء
ليت أن الجبال تلك شعير
فبكى الجماعة ، وراموا وداعه ، فانصرف الجمع ، وبل الخد بالدمع .
ثم قال الراوي : حدثونا يا أهل التهذيب، عن التيس والذيب ، لنأخذ من الحكمة بنصيب ، فقلنا : مر الذئب والتيس على منزل ، فقالا : يا جبان انزل ، فقال التيس : قاتلك الله يا إبليس ، يا ابن الذيبة ، وسلالة الخيبة ، يا قليل الهيبة ، فقال الذيب : عجيب ، متى جاءتك الشجاعة ، يا رمز اللؤم واللكاعة ، أنسيت يوم أكلت عمك قبل عامين ، وقتلت لك ولدين ، ما غرك إلا محلك ، وإلا فإنه معروف ذلك .
فإن كنت صادقا ، وبالحق ناطقا ، فاهبط إلى الميدان، لأجعلك طعاما للديدان ، فرد عليه وهو يقول ، ويصول ، وفوق السقف يجول : اخرس يا خسيس ، فأنا التيس ابن التيس ، فلو قاتلت بالقرون ، لطرحتك والناس ينظرون ، ثم أنشد :
قروني كالرماح إذ انتضاها
كماة في الحروب مدربونا
أنا ابن الأكرمين أبا وجدا
فقل للقوم هيا جربونا
فقال الذئب : خبرك لدي ، ولكن منصبك شجعك علي ، فليت الأيام تدور ، فإن الدهر غرور ، والزمان عثور ، لترى يا جبان ، قيمة الشجعان .
ثم أنشد الذيب ، وفي صدره لهيب:
يا تيس ليت لنا مكان نلتقي
فيه ليعرف هزلنا من جدنا
فإذا لعرفناك أنا سادة
نلنا المكارم كابرا من جدنا