تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنهار ، في السماء تتلبد بالغيوم ، ولها وجوم ، كأن وجهها وجه مهموم ، أو طلعة مغموم ، في الشمس تكسف ، في القمر يخسف ، في كل ما ننكر ونعرف ، في كل مولود حين يوضع ، كيف يهتدي إلى الثدي فيرضع ، إن عاش الحيوان في جو معتدل كساه بالشعر ، وإن عاش في برد قارص غطاه بالوبر ، وإن عاش في الصحاري دثره بالصوف ، ليقاوم الحتوف ، حيوان الغاب يزوده بناب ، ويمنحه مخلاب ، وطير العريش يقويه بريش ليعيش ، ينبت في الصحراء شجرة جرداء ، تصبر لحرارة الرمضاء ، ووهج البيداء ، ويزرع في البستان شجرة ذات رواء وأغصان ، ندية الأفنان ، مختلفة الطعوم والألوان ، جعل الصيد في البيد ، ليحمي نفسه من التهديد ، علم العنكبوت ، كيف تبني البيوت ، وهدى النملة لادخار القوت ، جعل فوق العينين حاجبين ، ليحميهما من ضرر المعتدين ، وجعل أمامها رمشين ، لتكون في حرز أمين ، وجعل فيهما ماء تغتسلان به كل حين ، يسلط الرياح على السحاب ، فيقع التلاقح والإنجاب ، إن شاء جعل الهواء عليلا ، يحمل نسيما جميلا ، وإن شاء جعله ريحا عاصفة ، مدمرة قاصفة ، سبحان من حكم الكون بالقهر ، مع علو القدر ، ونفاذ الأمر ، له الملكوت والجبروت ، وهو حي لا يموت ، أحسن كل شيء خلقه ، وتكفل بكل حي يوم رزقه ، أوجد الحب وفلقه ، تسمى بأحسن الأسماء، واتصف بأجمل الصفات والآلاء ، عطاؤه أنفع عطاء ، جل عن الشركاء ، نصر الأولياء ، وكبت الأعداء ، عبادته فرض ، والصدقة عنده قرض ، وسلطانه عم السماء والأرض ، يعلم الغيوب ، ويقدر المكتوب ، ويمحو الذنوب ، ويستر العيوب ، ويهدي القلوب ، وينقذ المكروب ، نعمه لا تعد ، ونقمه لا تصد ، وعظمته لا تحد ، وعطاياه لا ترد ، منصور من والاه، سعيد من دعاه ، موفق من رجاه ، مخذول من عصاه ، مدحور من عاداه .

مقامات القرني · الجزء ٣ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقامات القرنيج ٣ · ص ٢٤