تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا فألفاظ الصفات من قبيل المحكم، وليست من المتشابه، فإن معناها واضح ومعروف في لغة العرب التي نزل بها القرآن، وأمَّا كيفيتها فمما استأثر الله - تعالى - بعلمه، ومن نسب إلى السلف إدخال أسماء الله وصفاته أو بعضها في المتشابه، وأنهم يفوضون معناها فقد كذب عليهم.

3) - أنهم يثبتون لله الصفات إثباتاً بلا تمثيل، فلايمثلونها بصفات خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدُ﴾ ؛ ولأن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، والله تعالى - لا يَعْلَمُ كيفية ذاته إلاَّ هو فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن لله ذاتاً لاتشبه الذوات، فكذلك له صفات لاتشبه الصفات.

4) - وكما أنهم يثبتون لله الصفات التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، من غير أن يشبهوها بصفات خلقه فهم كذلك ينزهون الله عن النقائص والعيوب، تنزيهاً لايفضي بهم إلى نفي صفاته وأسمائه الحسنى بتأويل معانيها أو تحريف ألفاظها عن مدلولها؛ كما يفعله المؤوّلة، فمذهبهم في ذلك وسط بين التمثيل والتعطيل، فتجنبوا التعطيل في مقام النفي والتنزيه، وتجنبوا التشبيه في مقام إثبات الصفات فسلموا من الإفراط والتفريط، ومن الغلو والتقصير: (الغلو للمشبهة والتقصير للمعطلة) .

5) - طريقتهم فيما يثبتونه لله من الصفات وما ينفونه عنه من النقائص هي: الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات، دل على ذلك الكتاب والسنة، كما في قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (1) فأجمل في النفي، وهو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وفصّل في الإثبات، وهو قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ، وكما ذكر في آية الكرسي، وسورة الإخلاص، وغيرهما.

ثُمَّ إنه يجب أن يُعلم أن النفي الوارد في هذا الباب ليس هو النفي المحض (1) ، وإنَّما هو النفي الذي يتضمن إثبات الكمال؛ لأن النفي المحض لا مدح فيه؛ لأنه عَدَمٌ محض والعدمُ ليس بشيء، ولذلك فكل النفي الذي جاء في هذا الباب فهو لإثبات ضده من الكمال، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (2) أي لكمال عدله، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (3) أي لكمال قوته واقتداره، ﴿لاَ تَأْخُذُهُ , سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ لكمال قيّوميته، والله أعلم.

فهذه القاعدة التي تقوم على هذه الدعائم العظيمة: الإثبات المفصل، والنفي المجمل، وعدم التكييف والتمثيل، أو التأويل والتحريف، لمفضي إلى التعطيل، هي: القاعدة السليمة السديدة، التي تدل على علم السلف - رحمهم الله – بحقيقة ما وصف الله به نفسه في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله - (-.

فكانوا أعرف الناس بربهم - سبحانه -، وأعلمهم بما يستحقه - سبحانه - من كمال، وأكثرهم تنزيهاً له عما لايليق به - عزّوجل - فلم يعطلوه من أسمائه وصفاته، أو يكيفوها أو يمثلوها بصفات خلقه، أو يؤولوا نصوصها بغير المعنى المراد تأويلاً أو تحريفاً يفضي إلى تعطيلها أو تعطيل معانيها.

فكانوا أقرب الناس معرفة بمعاني الصفات، وأبعدهم عن الخوض فيما لم يحيطوا به علماً مِمَّا أخبر الله - تعالى - عنه من الغيب، فكما أنهم لم يحيطوا بذات الله علماً، لم يكونوا يحيطوا بصفاته علماً: إذ الكلام في الصفات كالكلام في الذات، أو كما قال السلف: ﴿القول في الصفات كالقول في الذات﴾ (4) .

فكما أن له ذاتاً لاتماثل الذوات، فكذلك له صفات لاتماثل الصفات، إلاَّ أن صفاته كانت دليل المعرفة به - سبحانه -فهي معلومة المعاني مجهولة الكيف.

فالرضا: صفة الله على الحقيقة، ولها معنى يميزها عن غيرها من الصفات، تعرف العرب ذلك من كلامها، كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: ﴿التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لايعذر أحد بجهله وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لايعلمه إلاَّ الله، من ادعى علمه فهو كاذب﴾ (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩٧٦