وحسبي أني اجتهدت في بيان الحق لرضا ربي ورب الخلق، وأسأل الله لي ولوالدي المغفرة والرضوان، وإخلاص النية في الابتداء وحسن العمل وحسن المآل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه الكرام.
المبحث الأول: الرضا في اللغة والشرع
الرضا: مقصور، مصدر رضي يرضى، وهو ضد السخط، والسخط: الكراهية للشيء وعدم الرضا به (1) .
والرضا من صفات القلب والذات، ومن صفات الأفعال (2) ، ورضي عنه وعليه، ورضيت الشيء ارتضيه، فهو مرضي ومرضو (3) .
والرضا متضمن معنى الحب والإقبال، ويعدى ب على حملاً للشيء على نقيضه (4) .
وفي التنزيل ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ"﴾ (5) ، ومعناه: رضي عنهم أنفسهم، ورضي أفعالهم، ورضوا عن ربهم وعن ماجازاهم به (6) .
وأرضاه أعطاه ما يرضى به، عكس ترضَّاه: أي طلب رضاه (7) .
والرِّضوان بالكسر، والرُّضوان بالضم، والمرضاة مثله مصدر (8) .
ويمد الرضاء إذا كان بمعنى المراضاة، ويقصر إذا كان مصدر رضي يرضى فيكون مصدراً محضاً (9) .
وقد جاءت نصوص إثبات صفة الرضا لله - تعالى - في النصوص الشرعية بصيغة الماضي، كما في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (1) ، وقوله: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (2) . وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (3) ، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (4) ، وقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (5) ، ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (6) .
وجاء إثباتها بصيغة المضارع كما في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (7) ، وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (8) ، وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (9) ، وقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (10) ، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (11) وغيرها، وقوله (: ﴿إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ... ﴾ (12) .
وجاء إثباتها بالمصدر، كما في قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (13) ، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) ﴾ (14) ، وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي﴾ (15) . وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (16) ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَ! نٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (17) وغيرهما، وفي الحديث: ﴿ ... أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً﴾ (18) ، وفيه: ﴿اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك﴾ (19) .
ومعنى الرضا مفهوم معلوم، وكيفيته مجهولة، والإيمان برضا الله واجب على ما يليق به - سبحانه وتعالى -.
قال الإمام الطبري في تفسيره: {واختلف في معنى الرضا من الله - جلّ وعزّ -، فقال بعضهم:الرضا منه بالشيء: القبول له والمدح والثناء.
قالوا: فهو قابل الإيمان، ومزك له، ومثن على المؤمن بالإيمان، وواصف الإيمان بأنه نور وهدى وفضل.
وقال آخرون: معنى الرضا من الله - جلّ وعز - معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني الرضا، الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح؛ لأن المدح والثناء قول، وإنَّما يثنى ويمدح ما قدر رُضِي.
قالوا: ﴿فالرضا معنى، والثناء والمدح معنى ليس به﴾ (1) .
والصحيح القول الثاني؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - عظيم، ومهما تخيل العبد من معاني العظمة فالله أعظم مِمَّا قد يتخيل، وكذلك صفته، ولو تخيل الإنسان عظمة صفات الله، فصفاته - سبحانه - أعظم مِمَّا قد يتخيل وكمالها أكبر مِمَّا قد يتخيل من الكمال، فله الكمال المطلق، وصفاته كمال مطلق - سبحانه وتعالى -.