(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدَاً يُصْلِح لَكُمْ أَعْمَالَكُم وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَاً (.
أما بعد:
فإن تمييز الراوي المهمل الذي يرد في بعض الأسانيد، أمر ليس باليسير، وقد يستغرق من الباحث وقتاً طويلاً لتحديد هذا الراوي وتعيينه، وقد لا يُوفق كل باحث لهذا الأمر.
ولما نظرت في كتب المصطلح، لم أر من وضع قواعد ووسائل متكاملة تعين في تمييز الرواة المهملين، وإنما وجدت فوائد قليلة ومنثورة في بعض هذه الكتب وغيرها، تبعاً لبعض الحالات المشكلة من ذلك، ومن ثم التصدي لحلها، كما سيأتي بالتفصيل.
كما لم أر من أفرد هذه القواعد والوسائل ببحث مستقل يجمعها.
لذا فقد استعنت بالله وبدأت بالكتابة في هذا الموضوع، وحاولت أن ألم شتاته، وأجمع ما تفرق منه مستعيناً – بعد الله–بما وجدته في كتب المصطلح، والرجال، والشروح الحديثية، وغيرها، وبما طبقه علماء الحديث عملياً لتعيين الرواة المهملين.
وفي الختام فهذا جهد متواضع، في موضع مهم وشائك، أرجو أن أكون قد وفيته حقه من الدراسة والبحث، وأن تكون النتائج التي توصلت إليها صائبة، أو قريبة من الصواب، وميسرة للباحثين تعيين وتحديد الرواة المهملين.
وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذا البحث خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكون ذا فائدة لطلاب علم السنة النبوية وأعتذر عما فيه من قصور وخلل؛ فهذا مما لا ينفك عنه بشر.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
المبحث الأول: تعريف المهمل والفرق بينه وبين المبهم
تعريف المهمل:
المهمل هو: من لم يتميز عن غيره. سواءً ذُكر باسمه أو كنيته أو لقبه، وذلك لوجود من يشاركه في هذا الاسم أو الكنية أو اللقب.
فإن كان لا يشترك معه غيره في أحد هذه الأمور فحينئذ لا يعتبر مهملاً.
ومثاله: أن الإمام البخاري – رحمه الله – له أكثر من شيخ اسمه إسحاق، ونجده في بعض الأحيان يقول: حدثنا إسحاق ولا ينسبه. فهنا نقول إن إسحاق ورد مهملاً.
وكما لو وجدنا إسناداً ورد فيه ذكر سفيان غير منسوب، فهنا لا ندري هل المراد به الثوري أو ابن عيينة (1) ، أو ورد فيه حماد غير منسوب، فلا ندري هل هو ابن سلمة أو ابن زيد، وهكذا.
ومن أبرز من عُرف من المتقدمين اعتناؤه بهذا النوع من علم الرجال الإمام الحافظ الخطيب البغدادي (ت 4639هـ) وأبو علي الجياني الأندلسي (ت498هـ) .
فالأول ألف في بيان المهملين من الرواة عموماً كتاباً عُرف باسم: "المكمل في بيان المهمل" (2) .
ولكن للأسف فهذا الكتاب يعتبر حتى الآن في عداد الكتب المفقودة (3) .
والثاني ألف في بيان المهملين في أسانيد صحيح البخاري بخصوصه، وذلك في باب مستقل في كتابه الماتع: «تقييد المهمل وتمييز المشكل» (4) .
وعلى هذين المؤلفين عوّل من جاء بعدهما، مع الإضافة أو التعقيب، كما يُعرف من مراجعة المؤلفات المتأخرة عنهما في الرجال أو الشروح الحديثية.
تعريف المبهم:
المبهم هو: من لم يتعين اسمه.
كأن يقول أحد الرواة: حدثني رجل. أو: حدثني صاحب لي. أو نحو ذلك.
ومنه يتبين الفرق واضحاً بين المهمل والمبهم.
فالمهمل ذُكر اسمه لكنه التبس مع غيره، وأما المبهم فلم يُذكر اسمه أصلاً.
وقد ألف في المبهمات غير واحد من العلماء.
ومن أشهر ما طُبع من هذه المؤلفات: كتاب الخطيب البغدادي: «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» وكتاب ابن طاهر المقدسي: «إيضاح الإشكال» ، وكتاب ابن بشكوال: «غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» ، وكتاب النووي «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» (1) ، وكتاب العراقي: «المستفاد من مبهمات المتن والإسناد» ، وغيرها.
وهناك أمور أخرى تتعلق بالمبهم، ليس هنا مجال ذكرها، وهي موجودة في كتب المصطلح.