تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أجمع المفسرون أن سجود أبوي يوسف وإخوته على أي هيئة كان فإنما كان تحية لا عبادة (6) ، والأظهر أنه كان على الوجوه وليس انحناء ولا إيماء لقوله تعالى ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (7) ، قال الجوهري (ت393هـ) : ((وخرَّ لله ساجدا يّخِرُّ خُرُورا أي: سقط)) (8) .

وقيل الضمير في ﴿لَهُ﴾ لله عز وجل وهو قول مردود (1) ، ولا يلتئم مع السياق، ولا يتوافق مع الرؤيا (2) في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف/4) .

وقال الزمخشري (ت538هـ) : ((وقيل معناه: وخروا لأجل يوسف سجدا لله شكرا وهذا أيضا فيه نَبْوة)) (3) .

وكل هذه التأويلات الضعيفة لأجل الخروج من أن يكون السجود لغير الله، ومن استبان له تاريخ السجود زالت عنه هذه الإشكالات.

وأما سجود الكواكب والشمس والقمر في رؤيا يوسف عليه السلام فالأصل في الكلام حمله على ظاهره وحقيقته، ولا مانع أن يراها ساجدة له،ولهذا عبر عنها بما هو خاص بالعقلاء فلم يقل: رأيتها ساجدة،ولكنه قال ﴿سَاجِدِينَ﴾ : إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة (4) ، وقد سبق الكلام عن سجود ما لا يعقل في أول البحث.

سادساً - سجود السحرة من بني إسرائيل:

قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الأعراف/120)

وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الشعراء/45،46) .

وقال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (طه/70) .

المراد بالسجود في هذه القصة السقوط على الوجوه لما عاينه السحرة من عظيم قدرة الله، وصدق نبوة موسى عليه السلام والتعبير بالإلقاء في الآيات الثلاث يفيد أنهم خروا لله تعالى متطارحين على الأرض مذعنين لله بالطاعة، وهو صريح في صفة سجودهم (1) ، وتساءل الزمخشري (ت538هـ) عن فاعل الإلقاء لو صرح به، فأجاب: ((هو الله عز وجل بما خولهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عينوا من المعجزة الباهرة، ولك أن لا تقدّر فاعلا، لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا)) (2) وتعقّبه أبو حيان (ت754هـ) في القول الأخير فقال: ((… أما أنه لا يُقدّر فاعل فقول ذاهب عن الصواب)) (3) .

وأما من حمل السجود على الخضوع اللغوي دون خرور الوجوه فهو مخالف لظاهر الآيات وليس له قرينة تدل عليه، فلا يُعّول عليه (4) .

وأغرب من ذلك من جوّز أن يكون السجود دلالة على تغلب موسى على السحرة فسجدوا تعظيما له، وأشد غرابة منه تجويز أن يريدوا به تعظيم فرعون حيث جعلوا السجود مقدمة لقولهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ حذرا من بطشه (5) ، وينبغي أن ينزه كلام الله تعالى عن مثل هذه الأقوال الأجنبية.

سابعاً- أمر بني اسرائيل بأن يدخلوا القرية سجدا:

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (البقرة/58) .

وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (النساء/154) .

وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (الأعراف/161) .

المراد بالقرية عند الجمهور مدينة بيت المقدس، وهي المذكورة في قوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائدة/21) ، فمكنهم الله من دخولها بعد خروجهم من التيه بقيادة يوشع بن نون عليه السلام، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا حطة شكرا لله وتواضعا (1) . و ﴿الْبَابَ﴾ أحد أبواب بيت المقدس (2) .

﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ : الصحيح أنهم أمروا أن يقولوا هذه الكلمة بحروفها لقول الرسول (: ((قيل لبني اسرائيل ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعيرة)) (3) ، ولهذا استنبط العلماء منه: ((أن الأقوال المنصوصة إذا تعبد بلفظها لا يجوز تغييرها)) (4) ، وتفسير ﴿حِطَّةٌ﴾ : اللهم حط عنا ذنوبنا (5) أمروا به في سجودهم، أي ادخلوا الباب سجدا قائلين في سجودكم حطة، فقدم وأخر في سورتي البقرة والأعراف في لفظتي ﴿سُجَّدًا﴾ ﴿حِطَّةٌ﴾ ليُحرز المجموع أن المراد بهذا القول أن يكون في حال السجود لا قبله ولا بعده (6) ، وقد اختلف العلماء في معنى ﴿سُجَّدًا﴾ فمنهم من حمل السجود على المعنى اللغوي وهو الخضوع والتواضع حسب (7) ، وهذا القول لا ينسجم مع نص الحديث السابق الذي يدل على أنهم خالفوا الهيئة المطلوبة، ودخلوا يزحفون على أستاههم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٩٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٩٠٣